المقاومة وإسرائيل في ميزان القانون الدولي

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

لاحظنا أنَّ إسرائيل والغرب عمومًا يعطي إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد "الإرهاب" ويقصد المقاومة، وفي هذه المقالة سوف نحلل مركز إسرائيل ومدى شرعيتها، وكذلك المقاومة في ميزان القانون الدولي وإسرائيل ليست فقط دولة محتلة وإنما هي "دولة مافياوية" لا تتوافر فيها أركان الدولة الحديثة، ولكن الغرب الذي زرعها في المنطقة وصنعها يعلم أنها دولة من نوع خاص؛ ولذلك قامت أصلًا عن طريق العصابات الصهيونية.

هذه العصابات الصهيونية وتولي معظم رؤسائها السلطة في إسرائيل بعد قيامها وزعم البعض أن أساس شرعية إسرائيل هو قرار التقسيم الذي رفضته إسرائيل والعرب رغم أن قرار التقسيم يُعد شهادة ميلاد إسرائيل في المنطقة كما يعد الأساس القانوني للدولة الفلسطينية.

فإسرائيل قامت تجسيدا للمشروع الصهيوني الذي يُخطط لجريمة كبرى وهي الاستيلاء على فلسطين كلها وإبادة أهلها أو تهجيرهم من أراضيهم؛ ولذلك فإنَّ الإرهاب ليس جديدًا على إسرائيل لأنه الأداة الرئيسية التي قامت من خلالها إسرائيل.

وشرعية إسرائيل قائمة كما قال ساستها على القوة وليس على القانون ولا تعترف بأي قانون إذا كان لا يُسهم في تحقيق أهدافها كما يستخدم المعاهدات مع العرب لإخضاعهم رغم أن مصر تحديداً لا تنتهك المعاهدات ولو مرة واحدة مع إسرائيل، ولكن إسرائيل التي تعتمد في قيامها على الإبادة تعتمد أيضاً على الغرب الذي يحمي جرائمها. وقد علمت من المحكمة الجنائية الدولية خلال زيارتي لها في الأسبوع الأخير من مايو 2024، أن كريم خان المدعي العام للمحكمة عرض على المحكمة أن تصدر أمرًا بتوقيف قادة المقاومة وتوقيف قادة إسرائيل، فإذا كانت التقارير التي قُدِّمت إليه تتهم قادة إسرائيل بارتكاب أعمال الإبادة ضد الشعب الفلسطيني وهو ما يبرر توقيف قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين فما هي مصادر الشكوى من المقاومة التي اتهمها بارتكاب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب عند قيامها للهجوم على غلاف غزة، وهو جزء مغتصب من القطاع، اغتصبه المستوطنون، واتهم حماس بأنها تمارس الإرهاب، وأنها السبب في استفزاز إسرائيل يوم السابع من أكتوبر 2023، حتى تبدأ حملة الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني. وكأن كريم خان يؤمن بالمقولة الغربية الصهيونية دون أن تقدم له شكاوى أو تقارير ضد المقاومة، فإذا صدر هذا القرار فإنَّ الدول الأعضاء في ميثاق روما لن تجرؤ على القبض على نتنياهو أو وزير الدفاع أو رئيس الأركان؛ لأنهم يزورون دولًا كبيرة في الغرب مثل بريطانيا والولايات المتحدة والولايات المتحدة أصلا ليست طرفا في ميثاق روما كما أن الحكومة البريطانية التي زرعت إسرائيل ورعت الإجراءات الصهيونية المتعاقبة على فلسطين طوال قرن من الزمان، فإنها تكمل دورها المشبوه في خدمة الصهيونية؛ بل إن الولايات المتحدة أخضعت بعض الحكام العرب لدرجة أن هذه الشخصيات إذا زارت الدول العربية لن تجرؤ على القبض على هذه الشخصيات.

أما المقاومة فتسطيع أمريكا والغرب أن يؤثرا على الدول العربية لكي تعتقل قيادات المقاومة وتمارس الولايات المتحدة ضغوطًا خيالية من أجل هذا الغرض، ولذلك يجب بيان الفرق في القانون الدولي بين إسرائيل وبين المقاومة ولا بُد من تقديم مذكرة للمدعي العام للمحكمة تحسبًا لهذا الموقف، ببيان أن المقاومة وحدها هي التي تتمتع بالحصانة، ولا يجوز القبض على قيادتها للأسباب الآتية:

أولًا: إسرائيل تجمُّع من الهكسوس الصهاينة في مجموعة جديدة اسمها لصوص الأوطان وقد غلفت حُججها ومبرراتها بالأكاذيب التاريخية والتوراتية، ولذلك لا علاقة لها البتة بفلسطين؛ لأن سكان إسرائيل صهاينة، وليسوا يهودًا، إنهم يتسترون باليهودية لكي يضفوا القداسة على تصرفاتهم. واليهودية شريعة إلهية تأبى التستر على هذه الجرائم، ولذلك ليس صدفة أن يهود الحق لا يوافقون على قيام إسرائيل وضد الصهيونية، وليس صحيحًا ما يفهمونه خاصة رجال الدين في إسرائيل وكبير الحاخامات من أن إسرائيل مقدسة ومساعدتها ودعمها واجب ديني فكأنهم يزعمون اليهودية في خدمة جرائم إسرائيل وهذا لا يصدقه حتى الاطفال ويربون أجيالهم على هذه الخرافات.

ثانيًا: أن المقاومة لها مشروعيتان: مشروعية داخلية من خلال انتخابات 2006 ومشروعية دولية بصفتها من حركات التحرر الوطني وواجهة الشعب الفلسطيني وسيفه في مواجهة هذا التحدي لابتلاع فلسطين ولذلك حركة التحرر الوطني تدافع عن نفسها وهى الوحيدة التي تتمتع بحق الدفاع الشرعي عن النفس، كما أن حركة التحرر الوطني تتمتع بالشخصية القانونية الخاصة مقابل فقدان إسرائيل لشروط الدولة وعدم التناسب بين المدنيين الفلسطينيين أصحاب الأرض والمستعمرين الصهاينة اللصوص، ولذلك أخطأ بعض وزراء الخارجية العرب عندما أصدروا بيانات في أواخر أكتوبر الماضي مع بداية الأحداث وطالبوا بالمساواة بين المدنيين في الطرفين، وهم يدركون تمامًا أن المُستعمِر الصهيوني يعمل ضمن المشروع الصهيوني وجاء خصيصًا إلى فلسطين لكي يسلب الأرض ويقتل السكان بمزاعم وأكاذيب متعددة ومكشوفة.

ثالثًا: يترتب على ذلك أن قبول إسرائيل في الأمم المتحدة عام 1949 كان استكمالًا للمؤامرة التي أنشأت إسرائيل أصلًا وطوعت بعض النظم العربية المحيطة بإسرائيل حتى يتمدد المشروع الصهيوني بلا عوائق، وهذا ما قاله صراحة رئيس وزراء بريطانيا في الثاني من نوفمبر 2017 عندما دعا نتانياهو إلى الاحتفال بالمئوية الأولى لتصريح بلفور؛ حيث أصدر بلفور تصريحه في 2 نوفمبر 1917.

رابعًا: ادعت إسرائيل بأن الذي ينكر تصرفاتها وجرائمها يرتكب ما تسميه "مُعاداة السامية" وهو مصطلح سلطته إسرائيل والغرب على الناقدين لسياساتها وجرائمها، وهذا المصطلح خالٍ من كل مضمون. أما ما يقابل هذه الجريمة المصطنعة فهي جريمة "الإسلاموفوبيا" أي الهلع من الإسلام، وهذه الحقيقة تثبتها الأدلة كل يوم وما دام الإسلام يشمل الشريعة اليهودية، فإنَّ الصهاينة يعادونه كما يعادي التوراة علمانيون، وأما المتطرفون الذين يتمسحون باليهودية فهم من غُلاة الصهاينة الذين تترفق بهم الحكومة العلمانية بإسرائيل ما داموا جزءا من المشروع الصهيوني.

خامسًا: الغريب أنَّ اللص المُعتدي يزعم بأن له حق الدفاع عن النفس ولو سلمنا بهذا الحق للمعتدي واللص فإننا نعترف بشرعية اللصوصية والجرائم التي يرتكبها هذا اللص أما المقاومة فهي تتمتع بحقين للدفاع الشرعي الحق الأول هو دفاعها عن نفسها بكل الوسائل الممكنة ولا يمكن وصفها بالإرهاب؛ بل الإرهاب بضاعة إسرائيلية.

والحق الثاني للدفاع الشرعي هو أن تنوب المقاومة عن الشعب الفلسطيني لتمكينه من تقرير مصيره وهناك فرق كبير بين القاتل والمقاتل؛ فالمقاومة تقاتل ولكن إسرائيل تقتل فهي قاتلة والقتل جريمة في جميع النظم القانونية، وأما القتال فمُحاط بالحصانة والتقدير في القانون الدولي عبر العصور.

الخلاصة أن المقاومة- سواء الميدانية أو السياسية- تتمتع بالحصانة في مواجهة التنمر الكوني عليها ويجب حمايتها والمحافظة عليها، وأي دولة تستجيب وتتعاون مع كريم خان في توقيف زعماء المقاومة تعد مُخالِفة للقانون الدولي وجديرة باحتقار المجتمع الدولي.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z