واسألوا ترامب.. المهرّج الأكبر في سيرك العالم الحر!

 

 

د. مجدي العفيفي

 

(1)

هذه قراءة في زمنٍ انقلبت فيه القيادة إلى تمثيل، والزعامة إلى إعلان، والسياسة إلى مشهدٍ تلفزيونيٍّ طويل.

من الزعامة إلى التمثيل السياسي: حين تحوّل الحاكم إلى ممثلٍ على المسرح الإعلامي

في زمنٍ غابت فيه القامات الحقيقية، أصبح الحكم مهنةَ من يمارس الأداء، لا من يصنع القرار، وصار السياسي المعاصر نسخةً من الممثل المسرحي: يُتقن الانفعال، ويجيد الخطابة، ويعرف كيف يسرق الكاميرا من معارضيه.

لم تعد الزعامة تُقاس بالبصيرة أو الحلم أو الإنجاز، بل بـ«الظهور الإعلامي»، وعدد المتابعين، وحجم الصخب على المنصات.

لقد تحوّلت الدولة نفسها إلى استوديو إنتاج سياسي، فيه «المخرج الإعلامي»، و«كاتب الخطاب»، و«مصمم اللقطة الرئاسية»، وأخيرًا... «الممثل الأعلى للأمة»!

في هذا السيرك السياسي، لم يعد يهم أن تفعل، بل أن «تبدو أنك تفعل».

لم يعد النجاح في تحقيق العدالة أو التنمية، بل في إتقان الترويج لهما.

أما الأخطر، فهو أن الشعوب باتت، دون أن تدري، جزءًا من هذا العرض، تُصفّق حين يُطلب منها التصفيق، وتغضب حين يوجَّه إليها الغضب.

(2)

وها هو ترامب، المهرّج الأكبر في سيرك العالم الحر، يقف على المنصة كأنه ممثلٌ عبقريٌّ في دورٍ كتبه لنفسه.

يطلّ بابتسامة متغطرسة، ويتحدث إلى أنصاره كما يتحدث الممثل إلى جمهوره: بجملٍ قصيرة، نارية، غريزية، خالية من الفكر، لكنها مشحونة بالاستعراض.

ترامب لا يحكم بالسياسة، بل بالإخراج.

لا يتحدث بالعقل، بل بالمؤثرات البصرية.

لم يكن رئيسًا، بل نجمًا في برنامجٍ جديد يجمع بين وقاحة الممثل، وغرور المنتج، وسذاجة المشاهد الذي يُصدّق صورته في المرآة.

هو ليس وحده؛ هو رمز مرحلةٍ كاملة من «الزعامة المُمَثَّلة»، التي تُمارس السياسة بديكور المسرح، ودبلوماسية المؤتمرات الصحفية، وصناعة الخطاب كإعلان تجاري.

(3)

الحاكم في هذا العصر لم يعد يسأل: «كيف أُصلح الدولة؟»، بل: «كيف أبدو وأنا أُصلح الدولة؟».

إنه يعيش داخل الكاميرا، لا داخل الوطن، ويُخاطب العالم بعدسات الميديا، لا بعقول الناس.

لكن الحقيقة لا تُخدع إلى الأبد.

الميديا تستطيع أن تُجمّل، لكنها لا تخلق جوهرًا.

تستطيع أن ترفع الصوت، لكنها لا تخلق المعنى.

وحين تنطفئ الكاميرات، ينكشف الممثل أمام ذاته:

جسدٌ بلا فكرة، وصوتٌ بلا صدى، ووجهٌ بلا روح.

إن الزعامة الحقيقية ليست عرضًا ولا مؤثرًا صوتيًا، إنها موقفٌ أخلاقيٌّ، وقدرةٌ على قول «لا» حين يسهل الانبطاح، وإيمانٌ بأن الأمة أكبر من الزعيم، وأن التاريخ لا يُكتب بالإعلانات، بل بالدم والضمير.

أما الذين يظنون أن الخلود يُشترى بالتصفيق، فسيستيقظون يومًا على صمتٍ مدوٍّ: صمت الحقيقة بعد نهاية العرض.

(4)

الزعيم كإعلان تجاري... حين تُسوَّق الأوطان بشعارٍ وطنيٍّ فاسد

لقد دخلنا عصرًا يُباع فيه كل شيء... حتى الزعامة.

صار الوطن حملةً دعائية، والقيادة «ماركة مسجّلة»، والحاكم شعارًا يُعلَّق في الشوارع كما تُعلّق إعلانات المشروبات الغازية.

الزعيم المعاصر لا يحكم، بل يُسوِّق نفسه، ويضع صورته على لوحةٍ ضخمة كُتب تحتها: نحن المستقبل!

لكن ما إن تقترب حتى تكتشف أن الصورة لمنتجٍ منتهي الصلاحية.

إنه زمن «الإعلان السياسي»، حيث تُستبدل الفكرة بالشعار، والموقف بالهتاف، والإنجاز بالتصميم الجرافيكي.

كل شيءٍ مُنمّق، لامع، محسوب الألوان والإضاءة، لكن الجوهر فارغ، مفرغ من أي معنى، تمامًا كما تُعلن شركة عن منتجٍ لا وجود له في الأسواق.

(5)

الزعيم الحديث لا يسأل: ماذا فعلت؟

بل يسأل: كيف أبدو وأنا أفعل؟

ولذلك صار لكل خطوةٍ «مونتاج»، ولكل خطابٍ «تتر»، ولكل زيارةٍ «مؤثرات صوتية».

وحتى الأخطاء... تُعاد صياغتها لتبدو «بطولات» تحت عنوان: الظروف كانت صعبة، لكننا أنجزنا!

الحاكم الذي يقدّم نفسه كإعلانٍ تجاري هو أخطر من الطاغية الصريح؛ لأن الطاغية يُخيفك، أما المُعلن فيُغريك.

الطغيان بالحديد واضح، لكن الطغيان بالإعلان ناعم، مغلَّف بالوطنية الزائفة والرموز الملوّنة التي تُخدّر الوعي.

ولأن السوق الإعلامي مفتوحٌ على مصراعيه، صار «الزعيم» يعامل الأمة كـ«زبونٍ سياسي»؛ يُقدّم له العروض والوعود والجوائز، ويمنحه بين الحين والآخر خطابًا ترويجيًا يخلط بين النشيد الوطني وإعلان «العرض الأقوى».

(6)

في هذا السوق، تُشترى الولاءات بالرمز، لا بالمبدأ.

تُباع الكلمات الكبيرة مثل: الكرامة، والنصر، والنهضة، والصمود، كما تُباع منتجات العناية بالبشرة: بوعودٍ براقة ونتائجَ غير مضمونة.

الزعيم الإعلاني لا يؤمن بالوعي، بل بالإبهار.

يعرف أن الصورة تختصر العقل، وأن الموسيقى تُخدّر التفكير، وأن الجماهير تميل إلى من «يبدو قويًا» أكثر ممن «يعمل بصدق».

إنه رجل العلاقات العامة بامتياز، يُدير وطنًا كما تُدار شركة ترويجية، ويُخطط للانتخابات كما يُخطط مدير التسويق لإطلاق منتجٍ جديد.

اللغة عنده ليست وسيلةً للتفكير، بل أداةً للتزييف؛ يتحدث عن الشعب كأنه يتحدث عن «العملاء»، ويصف المعارضين كأنهم «المنافسون»، ويتعامل مع الوطنية كـ«ماركة» يضعها على كل ما يُنتجه من خطابات، حتى لو كان المنتج مزيّفًا تمامًا.

(7)

في هذا العصر، تحوّل الوطن إلى شعار، والشعار إلى سلعة، والسلعة إلى كذبةٍ متقنة الصنع.

ومن فرط تكرار الكذبة، صدّقها الناس، ثم صارت جزءًا من وعيهم، ثم تحوّلت إلى «هوية إعلامية» لأمةٍ ضائعة بين الصورة والواقع.

لكن الحقيقة لا تموت، ومهما طال عمر الإعلان، لا بد أن يُكشَف المنتج في النهاية.

فإذا ما فُتح الغلاف، وظهرت الخدعة، عرف الناس أن الزعامة لم تكن إلا صفقة، وأن الشعارات لم تكن إلا ستارًا لتغطية الخراب، وأن الحاكم الذي قدّم نفسه كبطلٍ وطنيٍّ لم يكن إلا بائعَ وطنٍ بارعًا في فنون التسويق.

الزعيم الحقيقي لا يحتاج شعارًا؛ لأن إنجازه هو شعاره، ولا يحتاج إعلانًا؛ لأن ضميره هو إعلانه، ولا يحتاج كاميرا؛ لأن تاريخه لا يُصوَّر... بل يُكتَب بالحق والعرق.

أما الزعيم الإعلاني، فهو لا يترك بعده أثرًا سوى بقايا ملصقاتٍ باهتة على جدران المدن، تتساقط مع أول مطرٍ من الوعي.

الأكثر قراءة

z