مرتضى بن حسن بن علي
في عالم السياسة الدولية المعاصرة، لم تعد الكلمات مجرد أدوات للتعبير عن المواقف، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى محركات للأزمات أو كاشفات لعمق العلاقات بين الدول. مؤخرًا، ضجت الأوساط السياسية والإعلامية الدولية إثر تصريحات أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي أشار فيها، في سياق حديثه عن النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط، إلى ما وصفه بـ"تدمير عُمان". ورغم أن العارفين بأدبيات ترامب الخطابية يعزون مثل هذه العبارات إلى أسلوبه البلاغي القائم على التهويل، أو ربما إلى خلط سياسي وجغرافي غير مقصود، إلا أن رد الفعل العالمي جاء حاسمًا؛ حيث انطلقت موجة عارمة من التضامن والتعاطف الدولي مع سلطنة عُمان.
هذا الإجماع العالمي على مساندة مسقط واستنكار أي مساس بها لم يكن وليد الصدفة أو مجرد رد فعل عاطفي عابر، بل هو انعكاس حقيقي لمكانة تاريخية وسياسية فريدة نجحت السلطنة في صياغتها على مدى عقود طويلة. فما هي الدوافع العميقة التي جعلت المجتمع الدولي يقف صفًا واحدًا صلبًا في دعم سلطنة عُمان؟
واحة السلام وعاصمة الدبلوماسية الهادئة
لكي نفهم سر هذا التعاطف، يجب أولًا النظر إلى الفلسفة السياسية التي تنتهجها سلطنة عُمان. منذ انطلاق نهضتها الحديثة، خطّت مسقط لنفسها مسارًا مغايرًا لمعظم القوى الإقليمية، مستندة إلى قاعدة ذهبية صاغها السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- وتتمثل في: "الصداقة مع الجميع، والعداء لا أحد".
في منطقة جغرافية تعج بالاستقطابات الحادة، والحروب الأهلية، والتحالفات المتصادمة، اختارت عُمان أن تكون "سويسرا الشرق الأوسط". هذا الحياد العُماني ليس حيادًا سلبيًا أو انعزالًا عن قضايا العالم، بل هو حياد إيجابي وبنّاء يقوم على احترام السيادة الوطنية للدول الأخرى، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض الدخول في سياسة المحاور. عندما يرى العالم دولة تلتزم بهذه المبادئ الأخلاقية الصارمة في عالم تسوده البراغماتية الفجة، فإن أي تهديد لفظي أو مجازي موجه إليها يُنظر إليه دوليًا على أنه تهديد لمنظومة القيم الدبلوماسية العالمية ذاتها.
دور "الوسيط النزيه" الذي لا يمكن تعويضه
السبب الثاني، والأكثر أهمية، في تحريك التعاطف الدولي هو إدراك العواصم الكبرى -بما فيها واشنطن نفسها- أن سلطنة عُمان تمثل صمام الأمان والأمل الأخير لحل أعقد ملفات المنطقة. لطالما كانت مسقط القناة الخلفية الصامتة والآمنة التي تلجأ إليها القوى الدولية المتصارعة عندما تصل الأمور إلى طريق مسدود.
على سبيل المثال، يذكر التاريخ السياسي الحديث كيف كانت عُمان الجسر الذي عبرت فوقه الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية لتمهيد الطريق للمفاوضات النووية الشهيرة. وفي الأزمة اليمنية، ظلت مسقط العاصمة الوحيدة المقبولة من جميع أطراف النزاع، حيث استضافت محادثات السلام وقدمت التسهيلات الإنسانية دون أن تبحث عن نفوذ سياسي أو مكاسب خاصة. أضف إلى ذلك السجل الطويل والناصع للدبلوماسية العُمانية في ملف إطلاق سراح الرهائن والمحتجزين الغربيين في مناطق الصراع، وهي جهود إنسانية تُبذل دائمًا خلف الستار وبصمت تام. بناءً على هذا الدور المحوري، يعلم المجتمع الدولي أن المساس باستقرار عُمان أو هز ثقة الأطراف بها يعني، بوضوح، إغلاق أهم نافذة للحوار السلمي في الشرق الأوسط، وهو أمر لا يمكن للعالم الكوني تحمل عواقبه.
استمرارية الحكمة والنهج المُتَّزِن
تزايد التعاطف أيضًا بسبب الاحترام الشديد الذي تحظى به القيادة العُمانية الحالية بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله. فقد أثبتت القيادة الجديدة للعالم أن السياسة الخارجية العُمانية هي سياسة مؤسسية راسخة وثابتة، وليست مرتبطة برغبات عابرة.
واصلت عُمان في العهد الجديد تقديم نموذج للدولة العصرية الهادئة التي تركز على التنمية الداخلية عبر رؤية "عُمان 2040"، مع الحفاظ على دورها الإقليمي المتزن. هذا الثبات والاستقرار وسط أمواج التغيير العاتية في المنطقة عزز من موثوقية الدولة العُمانية، وجعل العالم ينظر إليها بتقدير وإجلال كبيرين.
طبيعة الخطاب الترامبي ورد الفعل العقلاني
من جانب آخر، لا يمكن عزل هذا التعاطف عن طبيعة الشخصية السياسية لدونالد ترامب. يعلم القادة والسياسيون حول العالم أن ترامب يعتمد في خطاباته الجماهيرية على أسلوب الصدمة، واستخدام مصطلحات حادة مثل "التدمير" أو "الإبادة الاقتصادية" كأدوات للضغط أو لجلب الانتباه، دون النظر أحيانًا إلى التبعات الدبلوماسية الدقيقة أو الدقة الجغرافية والسياسية للمصطلحات.
لذلك، جاء رد الفعل العالمي واعيًا ومضادًا؛ حيث سارعت المنظمات الدولية والدول الشقيقة والصديقة إلى إظهار دعمها لعُمان، ليس فقط للدفاع عن السلطنة، بل لإرسال رسالة سياسية واضحة مفادها أن لغة التهديد وهدم كيانات الدول مستهجنة ومرفوضة دوليًا، خاصة عندما تستهدف دولة تمثل ركيزة من ركائز السلام الاستراتيجي.
خلاصة القول.. إن موجة التعاطف العالمي الحاشدة مع سلطنة عُمان في وجه التصريحات المثيرة للجدل لم تكن مجرد تضامن عاطفي مؤقت، بل كانت بمثابة استفتاء دولي حقيقي على مكانة هذا البلد العريق. لقد أثبتت الأزمة العابرة أن قوة عُمان لا تكمن في الترسانات العسكرية الضخمة أو الخطابات الرنانة، بل في رصيدها الهائل من المصداقية، والاحترام، والسلام الذي زرعته في قلوب وعقول المجتمع الدولي على مدى نصف قرن. ستبقى عُمان دائمًا صوت العقل الذي يحتاجه العالم، وستظل حكمة قيادتها ووعي شعبها الدرع الحصين الذي يسقط أمامه أي تهديد.
