مرتضى بن حسن بن علي
تجد دول الخليج العربي نفسها اليوم في قلب معادلة جيوسياسية شديدة التوتر والتعقد؛ فهي تقع بين مطرقة إدارات أمريكية قد تندفع نحو التصعيد لحفظ نفوذها وتحمي مصالح إسرائيل وإعادة رسم قواعد اللعبة دون اعتبار كبير لتبعات التدمير الإقليمي، وبين سندان إيران التي تبدي استعداداً لاستخدام التهديد الشامل واستهداف البنى التحتية للمنطقة كأداة ردع وموازنة لأي خسائر تتعرض لها.
هذا الواقع الحرج يفرض على العواصم الخليجية وقفة مراجعة شاملة لتعريف "الأمن الوطني والإقليمي"، ويستوجب استخلاص دروس تاريخية لحماية مقدراتها واستقرارها المستقبلي.
هل يملك الخليج القدرة على إقناع واشنطن بوقف الحرب؟
تستطيع دول الخليج ممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي لا يُستهان به على واشنطن، من خلال الأوراق الاقتصادية وطاقة الأسواق والتذكير بأن استقرار أسواق الطاقة العالمية مرتبط أشد الارتباط بأمن منطقة الخليج. كما يمكنها الاعتماد على الكلفة الجيوسياسية عبر إيقاف التمدد غير المحسوب للمواجهات المسلحة الذي يُهدد المصالح الأمريكية الحيوية قبل غيرها. ومع ذلك، يعلّمنا التاريخ القريب والبعيد أن المقاربة الأمريكية للأمن في الشرق الأوسط تخضع غالبًا لأولويات واشنطن الداخلية وسياساتها الحزبية؛ وهو ما يعني أن الركائز الدفاعية المعتمدة بالكامل على "الحماية الخارجية" تظل عرضة للتغيرات والتحولات السياسية المفاجئة.
جوهر الدروس: أبعاد الأمن المستدام
إذا كانت هذه الأزمة تعكس حقيقة كبرى، فهي أن الأمن الحقيقي يُبنى من داخل الإقليم ولا يُستورد من خارجه. ومن أبرز الدروس الاستراتيجية التي تفرض نفسها اليوم:
1. الجغرافيا حقيقة أبدية وليس خيارًا سياسيًا
فالسياسات والتحالفات تتغير، لكن الحجم الجغرافي والجوار الجغرافي ثابتان، وحماية الممرات البحرية والتجارة المائية لا يمكن أن تكون مستدامة بوجود قوة بحرية أجنبية فقط، طالما أن الدول المطلة على هذه الممرات تُستثنى من المعادلة الأمنية أو تظل في حالة صراع دائم.
2. الأمن يُبنى "مع" الجيران وليس "ضدهم"
أثبتت الأزمات المتعاقبة أن استراتيجيات الإبعاد أو المواجهة التصفوية تؤدي فقط إلى دورات متجددة من العنف. كما أن التوصل إلى صيغة أمنية إقليمية جامعة (الإقليمية المشتركة) تضم كافة الأطراف المطلة على الخليج-وفق مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل-هو السبيل الوحيد لخفض التصعيد وحماية البنى التحتية الحيوية.
3. تنويع الشراكات وتحصين الجبهة الداخلية
الاعتماد على حليف أحادي لم يعد خيارًا آمنًا. الوعي الاستراتيجي المتزايد يفرض بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية (شرقًا وغربًا). وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، والاستثمار في الأمن السيبراني، وتأمين سلاسل الإمداد والمياه والطاقة هي خطوط الدفاع الأولى ضد أي تهديد طارئ.
إن الدرس الأكبر الذي يتحتم على المنطقة استيعابه ليس فقط كيفية إدارة هذه الأزمة الحالية، بل كيفية الخروج من معادلة "الوكالة والوساطة الخارجية" إلى "الملكية الإقليمية للأمن". ولن تكون الممرات البحرية آمنة، ولن تسلم المنشآت الحيوية من دمار الحروب، ما لم تدرك جميع الأطراف بالمنطقة أن الاستقرار شباك واحد إما أن ينعم به الجميع عبر الحوار والتفاهم، أو أن تلحق أضراره بالجميع دون استثناء.
