فيصل السعدي
لم يعد العالم اليوم يقبل بسهولة فكرة القطب الواحد الذي يرسم ملامح السياسة الدولية ويحدد مسارات الاقتصاد والأمن وفق رؤيته الفردية الخاطئة، فالتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، والأزمات الاقتصادية، وتنامي القوى الصاعدة، دفعت الكثير من الحكومات إلى البحث عن نظام دولي أكثر توازنًا، يقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى المصالح المتبادلة لا الهيمنة. واليوم، الصين ليست لاعبًا رئيسًا في صياغة هذا التحول، بل هي من تقوده.
النتائج التي كشف عنها استطلاع مركز "بيو" للأبحاث، والتي أظهرت تحسن صورة الصين في عدد كبير من الدول مقارنة بـ"الدولة الترامبية"، تؤكد تغيرًا في المزاج العالمي. صحيح أن استطلاعات الرأي ليست المعيار الوحيد للحكم على مكانة الدول، لكنها تعكس اتجاهات الرأي العام، وهو عنصر مؤثر في رسم السياسات والعلاقات الدولية.
ومن وجهة نظري، فإن ما يجذب كثيرًا من الدول نحو الصين ليس فقط حجم اقتصادها أو قدراتها الصناعية والتكنولوجية، وإنما الخطاب الذي تطرحه في علاقاتها الخارجية، والقائم على احترام سيادة الدول، والتعاون الاقتصادي، والتنمية المشتركة، والابتعاد في الخطاب الرسمي عن "فرض الإملاءات السياسية". وهذا الطرح يجد قبولًا لدى مختلف شعوب العالم، ولدى حكومات الدول التي ترفض لغة السلاح والتهديد، خصوصًا الدول النامية، التي تبحث عن شراكات تحقق لها التنمية دون أن تُفرض عليها أجندات سياسية أو اقتصادية.
لقد استطاعت بكين خلال السنوات الماضية أن تقدم نفسها كشريك اقتصادي موثوق في مجالات البنية الأساسية، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والنقل، إلى جانب مبادراتها الدولية، وفي مقدمتها "الحزام والطريق"، التي أسهمت في تعزيز حضورها في مختلف القارات، رغم ما يثار حولها من نقاشات وانتقادات تتعلق بالديون أو النفوذ الاقتصادي.
وفي المقابل، يبدو أن العالم بات أكثر حساسية تجاه سياسات الاستقطاب والمواجهة. فالحروب التجارية، والعقوبات الاقتصادية، والانقسامات الجيوسياسية، أفرزت رغبة متزايدة لدى كثير من الدول في تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لقوة واحدة. ومن هنا، فإن الحديث عن تعددية الأقطاب لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا تتبناه دول تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في قراراتها.
وفي الحالتين، لم تنجح الحكومات في إبعاد شعوبها عن فهم الأدوار السياسية التي تؤديها أطراف كل أزمة، ولا عن إدراك السبل الكفيلة بوقف ويلات الحروب والانتهاكات. فالرأي العام اليوم أكثر وعيًا وقدرة على قراءة موازين الصراع وتفكيك أسبابه، ولم يعد من السهل توجيه قناعاته أو عزلها عن الحقائق المتداولة. وكما يستحيل إبعاد أحاديث السياسة عن مجالس الشاي والقهوة، يستحيل أيضًا حجب النقاشات التي تتناول نزاعات باتت تتجاوز، في كثير من تفاصيلها، منطق العقل البشري.
إن العالم اليوم لا يبحث عن قوة جديدة تحل محل قوة أخرى، بقدر ما يبحث عن نظام دولي أكثر توازنًا، تتوزع فيه مراكز النفوذ، وتحظى فيه الدول بفرصة أوسع للدفاع عن مصالحها الوطنية دون ضغوط أو اصطفافات حادة. ولذلك، فإن صعود الصين لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا التحول العالمي نحو تعددية الأقطاب.
وفي تقديري، فإن مستقبل العلاقات الدولية لن يُبنى على منطق "الرابح والخاسر"، بل على قدرة الدول الكبرى على بناء الثقة، واحترام التنوع في النماذج التنموية، وتوسيع مساحات التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، مثل الأمن الغذائي، والتغير المناخي، والتحول الرقمي، وأمن سلاسل الإمداد.
إن الأنظار التي تتجه اليوم إلى بكين لا تعني بالضرورة انحيازًا كاملًا إلى الصين، وإنما تعكس رغبة متزايدة في رؤية عالم أكثر توازنًا، تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على بناء الشراكات وتحقيق المنفعة المتبادلة، لا بقدرتها على فرض النفوذ. وربما يكون هذا هو الدرس الأبرز الذي تكشفه التحولات الجارية في المشهد الدولي، حيث أصبحت التعددية خيارًا تفرضه مصالح الدول قبل أن تفرضه موازين القوى.
