مدارسنا وجودة التعليم

 

 

 

 

د. سليمان بن عمير المحذوري

abualazher@gmail.com

ما من شك إن جودة التعليم لم تعد ترفًا؛ بل مطلبًا أساسيًا في الدول التي تنشد التقدم والريادة، وتطرق أبواب المستقبل. ومن المؤكد إن الدول التي تتخلف عن الركب ستجد نفسها خارج المنظومة العالمية خلال العقود القادمة. وعليه لا غرابة البتة أننا نجد دول على رأس التصنيف العالمي في المجال التعليمي مثل فنلندا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها، وانعكاس ذلك وبوضوح شديد على التقدم والتطور في شتى المجالات الذي تشهده تلكم الدول.

وسلطنة عُمان منذ بداية سبعينيات القرن الماضي قطعت شوطًا كبيرًا في توفير مظلة التعليم لكل أبناء الوطن أينما وجدوا في القرية والمدينة، وفي السهل والجبل والصحراء أيمانًا منها بأحقية التعليم للجميع، ثم تلا ذلك التركيز على التعليم جنبًا إلى جنب مع الجودة؛ وذلك من أجل إعداد كوادر وطنية قادرة على الدفع بمسيرة البناء في عُمان إلى أعلى المستويات، وفي ذات الوقت مواكبة التطورات العالمية المتسارعة في شتى المجالات.

وإزاء تحقيق مطلب تجويد التعليم شرعت وزارة التربية والتعليم في تقييم النظام التعليمي العُماني بالتعاون مع بيوت خبرة عالمية، وعلى سبيل المثال إجراء دراسة مشتركة مع اتحاد المنظمات التربوية النيوزلندية؛ هذه الدراسة المنشورة عام 2017م وفرت معلومات في غاية الأهمية عن مستوى النظام التعليمي، وقدمت توصيات حول نوعية الإجراءات التي تقود إلى نظام تعليمي مدرسي ذي أداء عال. وفي عام 2018 نشر البنك الدولي تقريرًا بعنوان "توقعات وتطلعات إطار للتعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" يتضمن توصيات يُمكن الاعتماد عليها بما ينسجم مع الأهداف الوطنية، ويحقق تطلعات السلطنة في المجال التعليمي. هذا فضلًا عن نتائج الطلاب العُمانيين في اختبارات الدراسات الدولية مثل TIMSS و PIRLS وICILS التي تُعطي مؤشرات واضحة أين تقف عُمان مقارنة بالدول الأخرى حول العالم. ولتحقيق هذه الغاية استمر العمل على تطوير النظام التعليمي آملًا في الحصول على مخرجات أكثر كفاءة، ومزودة بمهارات نوعية لا سيما مهارات الابداع، والابتكار، وتكنلوجيا المعلومات، والاتصال، والتفكير النقدي، وحل المشكلات إلى جانب القدرة على التكيف والمبادرة وما إلى ذلك. ورغم الجهود المبذولة يبقى السؤال الجوهري الذي يُطرح دائمًا إلى أي مدى حققنا هدف تجويد التعليم في عُمان؟.  

وللإجابة عن هذا السؤال وفي ظل الرؤية الوطنية 2040 كان لا بد من اتخاذ خطوة جريئة إلى الأمام؛ فكان انشاء الهيئة العُمانية لضمان جودة التعليم، وهي بلا ريب خطوة في الاتجاه الصحيح. ووجود كيان مستقل يضمن تقييمًا موضوعيًا للنظام التعليمي، وبالتالي شراكة حقيقية ما بين الهيئة ووزارة التعليم في تحقيق الهدف الأسمى ألا وهو الارتقاء بجودة التعليم. ومن صلب اختصاصات الهيئة انبثق النظام الوطني لتقويم المدارس الذي يهدف إلى "تحسين جودة التعليم المدرسي، وضمان تحقيق التميز الأكاديمي من خلال إجراء تقييم شامل لأداء المدارس وفق معايير ومؤشرات دقيقة"؛ من خلال تنفيذ زيارات ميدانية مجدولة للمدارس المستهدفة في عمليات التقييم. وبنهاية العام الدراسي الحالي 2025/2026 انتهت الهيئة العُمانية لضمان جودة التعليم من تقييم 100 مدرسة حكومية وخاصة، وفي هذا الإطار ما يهمنا يقينًا نتائج هذه التقييمات. وعبر اللقاء الإعلامي الأول للهيئة في شهر مايو الفائت بيّنت نتائج التقييم ضمن سلم تقدير الأداء الخماسي المعتمد أنه لم تحصل أي مدرسة على مستوى "متميز"، وحصلت ما نسبته 5.2% فقط على مستوى "جيد" من إجمالي عدد المدارس المشمولة بعمليات التقييم، و1.7% "تحتاج إلى تدخل سريع"، و19% "دون المستوى المتوقع"؛ فيما كانت غالبية المدارس ضمن فئة مستوى "ملائم".  

وتأسيسًا على هذه النتائج ربما السؤال الملحّ الآن ماذا بعد؟ وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى ضرورة الوقوف على البيانات التي أفرزتها هذه النتائج وتحليلها، والنظر إلى التحديات بعين فاحصة، والاستفادة من توصيات المراجعة الخارجية وتنفيذها في سبيل الخروج برؤية واضحة تجاه ما يجب عمله لتصحيح المسار وبدون تأخير لا سيما وأننا الآن في بداية الخطة التنموية الثانية لرؤية عُمان. ومن المؤكد أن وزارة التعليم معنية بشكل مباشر بقيادة الدفة نحو تنفيذ التوجهات الاستراتيجية التعليمية؛ إلا أن الأهداف لا يُمكن تحقيقها ما لم تتظافر الجهود، وتُذلل الصعوبات، وتُوفر الإمكانات البشرية والمالية اللازمة، كما أن دور الهيئة لا ينبغي حصره في مسألة التقييم؛ بل إن تقديم الدعم السخي يُعد ركيزة أساسية في تحقيق تعليم متميز وذي كفاءة وجودة عالية من أجل مستقبل عُمان.

الأكثر قراءة

z