مدينة فوق الخيال

 

 

 

د. سليمان بن عمير المحذوري

abualazher@gmail.com

من المعلوم أن تطور المدن عبر الحقب الزمنية يتماشى مع حاجة السكان من مختلف الجوانب؛ فلم يعد التركيز على النواحي العمرانية دون الالتفات إلى جوانب أخرى مهمة ترفيهية وصحية واجتماعية وثقافية، بما يحقق جودة الحياة لساكني تلك المدن.

ومن هنا أصبح الحديث عن أنسنة المدن يتزايد يومًا بعد يوم، خاصة بعد أن نمت المدن الأسمنتية بشكل متسارع مع إغفال جوانب أساسية مثل توفر الحدائق والمتنزهات والملاعب والمماشي والواجهات البحرية بالنسبة للمدن الساحلية. كما أن تخطيط تلك المدن لا يساعد السكان على تلبية احتياجاتهم مشيًا على الأقدام أو ممارسة رياضة المشي أو استخدام الدراجات الهوائية. ومن خلال البحث عن هذا الموضوع في شبكة المعلومات، يتضح أن مفهوم أنسنة المدن يتمحور حول تعزيز البعد الإنساني في بناء المدن، وتقديم منتجات عمرانية صديقة للإنسان، أي إعادة تصميم المدينة لخدمة الإنسان وراحته، وتحسين جودة الحياة فيها عن طريق تكامل الخدمات، وزيادة رقعة المساحات الخضراء، وتوفير شبكة ممرات آمنة للمشاة والدراجات من أجل تقليل الاعتماد على السيارات. هذا إلى جانب ضرورة وجود مرافق ترفيهية لضمان التفاعل المجتمعي، ومتنزهات لتحسين جودة الهواء؛ وبمعنى آخر، تصميم مدينة تلبي احتياجات جميع فئات السكان من الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة لتسهيل حياتهم اليومية، وفي ذات الوقت تشجع على ممارسة أنشطة متنوعة تسهم إيجابيًا في الصحة العامة.

وفي الآونة الأخيرة، وانسجامًا مع التطوير العمراني في سلطنة عُمان، تبنت وزارة الإسكان استراتيجية عمرانية تمخضت عنها مشاريع المدن المستقبلية، والمخططات الهيكلية للمدن العُمانية، ومشاريع "صروح"، وهي "مبادرة وطنية تهدف إلى تطوير أحياء سكنية متكاملة بمرافق عصرية وخدمات مستدامة ترتقي بجودة الحياة المجتمعية"، وهذه المشاريع لا تزال قيد الإنشاء في مختلف محافظات السلطنة، ومن المؤمل أن تصبح هذه المدن بيئة سكنية جاذبة للمواطن، وتلبي تطلعاته في السكن ضمن بيئات حضرية أفضل.

ولا شك أن هذا النهج أمر محمود؛ بيد أن السؤال الجوهري: ماذا عن الأحياء السكنية القائمة والمخططات الحديثة في مختلف محافظات السلطنة؟

وفي هذا الإطار، عززت رؤية عُمان التوجه الحكومي بمنح المحافظات صلاحيات واسعة، ولا مركزية في اتخاذ القرار، إلى جانب تخصيص موازنات مستقلة لكل محافظة، كما أن صدور قانون التخطيط العمراني بموجب مرسوم سلطاني ضمن توافق المخططات الهيكلية مع استراتيجيات التنمية العمرانية. عليه؛ فإنني أرى من الأهمية بمكان الالتفات إلى هذه المخططات السكنية من أجل بناء مجتمعات مستدامة، ومزودة بجميع الخدمات الأساسية مثل البنية التحتية والمنشآت الترفيهية والتجارية، مع أهمية مراعاة مرتكزات أنسنة المدن عند إعادة تخطيط وتصميم هذه المناطق السكنية المنتشرة في كافة محافظات السلطنة بما يتناسب مع خصوصية وموقع كل مخطط سكني.

وبدلًا من رص خرسانات أسمنتية متجاورة، نتمنى رؤية حدائق ومتنزهات للأطفال والعائلات، وملاعب للشباب، وبدلًا من ملء الفراغات العمرانية باستحداث قطع سكنية جديدة، لماذا لا تُستغل في إنشاء المماشي وزيادة المسطحات الخضراء والتشجير؟ بل إن الواجهات البحرية أضحت ضرورية في كل المخططات السكنية التي تجاور الشواطئ في المناطق الساحلية.. عندها نستطيع القول إن لدينا تخطيطًا حضريًا شاملًا يوفر بيئات سكنية مثالية تراعي جودة الحياة في المحافظات كافة.

الأكثر قراءة

z