أيُّها المسلمون.. تعالَوا إلى كلمةٍ سواء

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (آل عمران: 64)

هكذا جاء النداء القرآني أوّل مرّة؛ يخاطب أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويدعو إلى كلمة عادلة جامعة، وإلى مساحة لقاء تُطفئ الخلاف، وتُقدّم المشتركات على أسباب النزاع، لكنّ المفجع اليوم أنّ المسلمين أنفسهم باتوا أحوج الناس إلى هذا النداء القرآني.

فبعد أن كانت الآية دعوة للحوار مع الآخرين، أصبحنا نرفعها فيما بيننا، بعدما مزّقت المذهبيّة والطائفيّة وحدة القلوب، حتى باتت الأُمّة تُستنزف بصراعاتها أكثر ممّا تُستنزف بأعدائها، حتى صار بعض المسلمين يخشون اسم المذهب أكثر ممّا يخشون اسم العدو.

ومن هنا بدأ النزيف الحقيقي؛ عندما تحوّلت الخلافات والاجتهادات إلى جدران نفسيّة، وصار الماضي سيفًا يُشهَر في وجه الجميع. ولو فُتحت دفاتر التاريخ كلّها، لما وُجدت طائفة بريئة بالكامل من الفتن، ولا طرف يتحمّل وحده هذا الخراب؛ فالتاريخ صنعتْه السياسة، وأشعلته العصبيّات، ودفعت الأُمّة بأسرها ثمنه.

لكنّ الأخطر من أخطاء الأمس أن نستمرّ في توريثها للأجيال القادمة؛ فأيُّ جريمة أن يُربّى طفل مسلم على الكراهية قبل أن يُربّى على القرآن؟ وما ذنب شابّ ينشأ خائفًا من أخيه المسلم أكثر من خوفه من أعداء أُمّته؟

ثمّ نسأل بعد ذلك: كيف لأُمّة وصفها الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

أن تصل إلى هذا الحدّ من التمزّق والتباغض؟

لقد آنَ للأُمّة أن تُدرك أنّ اجترار ثارات الماضي لن يبني وطنًا، ولن يُقيم حضارة، ولن يحفظ كرامة.

فالأُمم الحيّة تُفكّر في الغد، وتبني لأبنائها مستقبلًا أكثر أمنًا ووحدة، بينما ما زلنا نُعيد الخصومات نفسها، ونوقظ نار الفرقة كلّما حاولت القلوب أن تقترب.

وفي زمنٍ تتكالب فيه التحدّيات على المسلمين من كلّ جانب، لم يعد مقبولًا أن نبقى أسرى الانقسام. فالأُمّة تحتاج إلى عقلاء يُغلّبون لغة التقارب على الكراهية، والتفاهم على التخوين، والأُخوّة على التصنيف.

لقد أراد الله للناس أن يتعارفوا لا أن يتناحروا، وأن يتقاربوا لا أن يتباغضوا، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

فإذا كان هذا الخطاب موجَّهًا للبشريّة كلّها، فكيف بالمسلمين الذين يجمعهم دينٌ واحد، ونبيّ واحد، وكتاب واحد؟

ليس المطلوب أن يذوب الجميع في قالب واحد، ولا أن تُلغى المذاهب والاجتهادات؛ فهذا لم يحدث عبر التاريخ. لكنّ المطلوب أن نتعلّم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نتحاور دون أن نتباغض، وكيف نجتمع على القضايا الكبرى التي تُوحّد هذه الأُمّة.

ومن أجمل ما تحتاجه الأُمّة اليوم أن تستعيد نماذج التعايش الحقيقي التي عرفها المسلمون عبر تاريخهم، حين كان الاختلاف المذهبي لا يمنع الاحترام، ولا يُفسد الأُخوّة، ولا يتحوّل إلى وقود للكراهية.

ولأنّ الأوطان لا تُبنى بالشعارات؛ بل بالتجارب الحيّة، فقد قدّمت بعض المجتمعات الإسلاميّة نماذج جديرة بالتأمّل. وفي عُمان مثلًا، ظلّ المجتمع عبر قرون يُقدّم صورة هادئة للتعايش بين المسلمين، حيث عاش الناس بتنوّعهم المذهبي والاجتماعي دون أن يتحوّل الاختلاف إلى خصامٍ وعداوة. ولم يكن ذلك لأنّ العُمانيين بلا اختلاف، بل لأنّهم أدركوا مبكرًا أنّ الأوطان لا تستقرّ بالكراهية، وأنّ الدين أوسع من أن يُختزل في التعصّب.

ولذلك جاءت كلمات المغفور له- برحمة الله- السلطان قابوس بن سعيد مُعبّرة عن هذا الوعي حين قال: "إنَّ التطرّفَ مهما كانت مسمّياتُه، والتعصّبَ مهما كانت أشكالُه، والتحزّبَ مهما كانت دوافعُه ومنطلقاتُه، نباتاتٌ كريهةٌ سامّةٌ ترفضُها التربةُ العُمانيةُ الطيّبة".

وليس المقصود أنّ عُمان مدينة فاضلة، أو أنّ غيرها خالٍ من الخير؛ فكلّ بلاد المسلمين فيها العقلاء والمخلصون، لكنّ الحكمة تقتضي أن نتعلّم من التجارب التي حفظت التماسك الاجتماعي، وأن نُواجه دعوات الفرقة بالوعي والعقل، وألّا نسمح لبذور الشقاق أن تجد لها موطئًا في مجتمعاتنا من جديد.

فنحن مهما اختلفنا في بعض المسائل، نجتمع على: كتاب واحد، ونبيٍّ واحد، وقبلة واحدة، وهموم واحدة، وعدوّنا لا يُفرّق بين مسلم سنّي وآخر شيعي، بل يرى أُمّة واحدة، بينما ما زلنا نُتقن رسم الأسوار بين القلوب أكثر من إتقان بناء الجسور.

وهنا أصلُ الخلل، أن نُقدّم الانتماء الضيّق على الانتماء الواسع، وأن نجعل خلافات الماضي أكبر من جراح الحاضر ومستقبل الأجيال القادمة.

لقد شوّهت الأيادي الآثمة صورة العلاقة بين أبناء الأُمّة، حتى أصبحت فرقة المسلمين مصدر فرح لأعدائهم، وحزنًا لكلّ مخلص يرى ما وصلت إليه هذه الأُمّة من ضعف وتمزّق.

فما أثقلَ أُمّةً تستنزفها معارك الداخل فيما تُستباح أوطانُها من الخارج، ولم تبقى الفتنة تُصنع بالسيوف وحدها، بل بالكلمة أيضًا؛ بمنابر تُؤجّج، وشاشات تُحرّض، وخُطب تُربّي الأجيال على الكراهية، وحسابات تُحوّل الخلاف إلى معركة وجود، فكم من كلمة أشعلت نارًا، وكم من خطاب دفع شبابًا إلى الكراهية باسم الدين، بينما الدين منهم بريء.

ولذلك فإنّ مسؤوليّة العقلاء اليوم ليست الصمت، بل حماية وعي الأجيال من التسمّم الفكري، وإحياء خُلُق الاختلاف الراقي الذي يجمع ولا يُمزّق، ويُحاور ولا يُقصي.

إنَّ الأُمّة بحاجة إلى وعي يُداوي الجراح بدل أن يُعمّقها، ويجمع القلوب بدل أن يُمزّقها، ويجعل مستقبل الأجيال القادمة أكبر من خلافات التاريخ، فلا مستقبل لأُمّة تأكل نفسها بنفسها، ولا نهضة لأُمّة تُربّي أبناءها على الثأر والكراهية.

أيُّها المسلمون.. تعالَوا إلى كلمةٍ سواء.. تعالَوا نفتح صفحة جديدة يُكتب فيها المستقبل بالعقل لا بالأحقاد، وبالوعي لا بالغريزة، وبالأُخوّة لا بالثأر، تعالَوا نُعيد للإسلام جوهره العظيم: الرحمة، والعدل، والأُخوّة، ونصرة المظلوم، ووحدة الصفّ؛ فما أحوج هذه الأُمّة اليوم إلى قلوب تتصافح بدل أن تتخاصم؛ فالأُمم لا تسقط حين تختلف؛ بل حين تعجز عن إدارة اختلافها، فيتحوّل الخلاف إلى كراهية تُطفئ العقل وتُسقِط الإنسان.

فإمّا أن نتعلّم كيف نكون أُمّة واحدة رغم اختلافاتنا.. أو سنبقى دُولًا متنافرة تُصغي لأعدائها وتُساق بغفلة إلى سوء عاقبتها.

الأكثر قراءة

z