أسعد بن عبدالله المعولي **
قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي أقرب إلى التوقعات المستقبلية والأفلام الخيالية، أما اليوم فقد أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، يرافقنا عبر أجهزتنا الذكية، ويقترح علينا محتوى يتوافق مع اهتماماتنا وعاداتنا، ويؤثر في قراراتنا واختياراتنا، ويساعدنا في تحديد وجهاتنا والتخطيط لرحلاتنا، ويكسر حواجز اللغة بترجمة فورية تكاد تضاهي التواصل المباشر. لقد تسلل بهدوء إلى حياتنا حتى أصبح جزءًا من ممارساتنا اليومية.
ومع هذا الانتشار الواسع، لم يعد الذكاء الاصطناعي حبيس التطبيقات الشخصية، بل امتد تأثيره إلى مختلف القطاعات؛ فدخل المستشفيات ليساعد في التشخيص والعلاج، ووصل إلى المدارس والجامعات لدعم التعليم والتعلم، وأصبح عنصرًا فاعلًا في المؤسسات الإعلامية والصناعية والاقتصادية. وتحول اهتمام المؤسسات من مجرد استكشاف إمكاناته إلى التنافس على تبنيه والاستفادة منه، لما يوفره من سرعة في الإنجاز، ودقة في التحليل، وقدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات تفوق ما يستطيع الإنسان إنجازه. لكن كما حملت هذه التقنية فرصًا واعدة، حملت معها تحديات لا يمكن تجاهلها.
ففي الوقت الذي أصبحت فيه الأنظمة الذكية قادرة على إنتاج النصوص والصور ومقاطع الفيديو خلال ثوانٍ معدودة، برزت مشكلة المحتوى المزيف الذي يصعب أحيانًا التمييز بينه وبين الواقع. وأصبح من الممكن صناعة أخبار وصور وأصوات تبدو حقيقية بالكامل، الأمر الذي يهدد مصداقية المعلومات ويجعل التحقق من الأخبار أكثر أهمية من أي وقت مضى.
كما تثير هذه الثورة التقنية تساؤلات متزايدة حول الخصوصية. فالكثير من التطبيقات والخدمات الذكية تعتمد على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات الشخصية لفهم المستخدم وتقديم خدمات أكثر دقة. وبينما يرى البعض في ذلك وسيلة لتحسين جودة الحياة، يتخوف آخرون من حجم المعلومات التي أصبحت متاحة للأنظمة الرقمية والجهات المشغلة لها.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة اليوم هو قدرة بعض أدوات الذكاء الاصطناعي على تكوين صورة شبه متكاملة عن الأشخاص من خلال آثارهم الرقمية المنتشرة على الإنترنت. فلو طلبت من إحدى هذه الأدوات تحليل حضورك الرقمي واستنتاج اهتماماتك ومجال عملك والموضوعات التي تتابعها، فقد تفاجأ بكمية المعلومات التي تستطيع الوصول إليها أو استنتاجها من بيانات متناثرة نشرتها على مدار سنوات. وقد تكون النتيجة دقيقة إلى حد يجعلك تتساءل: كيف عرفت كل ذلك؟
ومن زاوية أخرى، يتساءل كثيرون عن شكل الوظائف في السنوات القادمة في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي. فبعض الوظائف بدأت تتغير طبيعتها، وأخرى قد تختفي تدريجيًا، في حين تظهر وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة وقدرات أعلى على التعلم والتكيف. ولهذا أصبح الاستثمار في تطوير المهارات الرقمية والتعلم المستمر ضرورة ملحة لمواكبة التحولات المتسارعة.
ومع ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للإنسان كما يصوره البعض، وليس الحل السحري لكل المشكلات كما يعتقد آخرون. إنه أداة قوية تتوقف نتائجها على طريقة استخدامها، ومن وجهة نظري، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تطور الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، فالتقنيات ستواصل تطورها سواء قبلنا بذلك أم لا، وإنما يكمن التحدي في قدرتنا على التعامل معها بوعي ومسؤولية، وفي استعدادنا لتطوير مهاراتنا ومواكبة التحولات التي تفرضها. فالمستقبل لن يكون للأكثر امتلاكًا للتقنية، بل للأكثر قدرة على فهمها وتوظيفها لخدمة الإنسان وتعزيز قيمه وحماية مصالحه. وفي النهاية، سيبقى الإنسان هو من يحدد كيف تُستخدم هذه الأدوات، وإلى أي اتجاه يقودها.
** مدرب مُعتمد في الذكاء الاصطناعي وأدوات إدارة المستقبل
