محمد بن رامس الرواس
لا شك أن الطلب على النفط والغاز سيرتفع خلال الفترة القادمة وتحديدا بعد انتهاء هذه الأزمة الحالية، وهذا ما أشار إليه الخبراء الاقتصاديون العالميون؛ بل وأكثر من ذلك، ستكون هناك زيادة على الطلب على النفط خلال العقود القادمة بما يقارب 100 مليون برميل يوميا.
إن مضيق هرمز هو أحد أهم الشرايين الحيوية التي تحدد مسارات الطاقة العالمية، وتتجاوز أهمية مضيق هرمز كونه مجرد ممر مائي؛ كونه ممر جيوسياسي اقتصادي من الدرجة الأولى لأنه المعبر الأكثر أهمية حيث تمر من خلاله يوميًا ملايين البراميل من النفط الخام والمنتجات البترولية شرقًا وغربًا، بالإضافة إلى الغاز الطبيعي المسال، مما جعله البوابة الهامة للطاقة العالمية.
إن حجم التدفق النفطي من خلال مضيق هرمز يزيد عن 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي يوميًا ناهيك عن الغاز، وهذا رقم يعكس حجم الاعتماد الدولي على هذا الممر الحيوي الهام. إن هذا الممر الاستراتيجي الذي تتقاسمه سلطنة عُمان وجمهورية إيران يوفر طريقًا حيويًا للدول الخليجية وإيران لتصدير إنتاجها نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية؛ حيث تُعد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرهم من أكبر المستوردين الذين يعتمدون على هذا الممر بشكل شبه كلي، لذلك سيظل المضيق مؤثرا بشكل كبير على خريطة الطاقة العالمية لفترات وعقود طويلة، وهذا ما فرضته الأحداث الأخيرة، فأصبحت تقلبات الأحداث السياسية في المنطقة انعكاسًا فوريًا على أسعار الطاقة، بينما استراتيجيات التحوط والتنويع التي دفعت الكثير من الدول لعدم الاعتماد على النفط وذهبت إلى السعي لتنويع مصادر إمداداتها عبر الاستثمار في إنتاج النفط الصخري في أمريكا الشمالية وغيرها لم تؤتِ أكلها بعد والتكاليف لا تزال عالية.
إن حساسية أسعار النفط والغاز قد تصنع توترات أمنية في منطقة الخليج وتترجم إلى صدمات في أسعار النفط العالمية، فالأسواق اليوم لا تكتفي بأسعار النفط الفعلية، بل تضع علاوة مخاطر تأخذ في الاعتبار احتمال تعطل الملاحة، مما يجعل من المضيق مؤشرًا حيويًا للبورصات العالمية.
لا شك أن التوقعات المستقبلية لطلب النفط ستتنامى برغم التحديات واتفق الخبراء الاقتصاديون على أن النفط سيظل الركيزة الأساسية لمزيج الطاقة العالمي لعقود قادمة، ومع التعافي الاقتصادي المتوقع بعد الأزمة الراهنة.
إن نمو الأسواق الناشئة في آسيا وأفريقيا التي تشهد توسعًا صناعيًا وعمرانيًا كبيرًا تحتاج إلى طاقة مستقرة وبأسعار معقولة، وهو ما يضمن استمرارية أهمية مضيق هرمز وأهمية أمن الإمدادات من خلاله في ظل التوقعات بارتفاع الطلب، حيث سيصبح الحفاظ على انسيابية الملاحة في المضيق مطلبًا دوليًا أمنيًا، مما يجعله في قلب أي حوارات استراتيجية تتعلق بأمن الطاقة العالمي.
ولن ننسى في هذا الطرح ان نشير الى الصين التي تعتبر أكبر مستورد للنفط في العالم وتسعى لتأمين تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز أولوية قصوى لأمنها القومي سيدفعها لتعزيز تواجدها الدبلوماسي والاستراتيجي في المنطقة في المرحلة القادمة لضمان عدم انقطاع هذه الشريان النفطي.
ختامًا.. يبقى مضيق هرمز واحدا من أهم منافذ الطاقة العالمية، والمحرك الأول للنمو، وسيظل هو الجسر الذي يربط منابع الإنتاج بالخليج بأسواق الاستهلاك، وأن أي رؤية استشرافية لمستقبل الاقتصاد العالمي يجب أن تضع في حسبانها أن هذا المضيق عنصر حاسم في معادلة النمو الاقتصادي العالمي القادمة.
