الحَج الأكبر وواقع الأُمَّة

حاتم الطائي

◄ الأمة تُعاني من الضعف والتشتت ونحتاج للوحدة في مواجهة التحديات

◄ "خطبة الوداع" تقدم لنا دروسًا وعظات نهتدي بها في واقعنا المعاصر

◄ تحرير المسجد الأقصى لن يتحقق إلا بالعمل والتضحية

أكتبُ لكم في هذه الأيام المباركة ونحن نقترب يومًا بعد الآخر من مُناسبة عظيمة نحتفل بها في هذا الشهر الحرام، إنها مناسبة الحج ووقوف الحجيج بعد نحو يومين على جبل عرفة، يُكبرون ويُهللون ويحمدون الله على ما آتاهم من فضله، شاكرين أنعمه، راجين عفوه وغفرانه، سائلين الله عزَّ وجلَّ أن يرفع عن الأمة ما تُواجهه من تراجعٍ بين الأمم.

نعم، تُعاني الأمة الإسلامية من ضعفٍ شديدٍ وهوانٍ على جميع الخلق، في ظل ما يحدث من تواطؤٍ وتآمرٍ على دولنا، لاستباحة خيراتها ونهب مُقدراتها، فيما يقف السواد الأعظم من المسلمين مُتفرِّجين لا ينبسون ببنت شفة، لا عن ضعف حقيقي وإنما عن فقدان الثقة في القدرة على اتخاذ القرار، والشعور الدائم بعدم القدرة على مواكبة التقدم في عالم تتصارع فيه القوى العظمى على الدول المُستضعَفة. لقد كان المسلمون في العصور السابقة أكثر قدرة على الوعي وأكثر شجاعة على اتخاذ مواقف جريئة تُجبر الأعداء على تجنُّب إغضاب المُسلمين، أو تدنيس مقدساتهم، أو الاعتداء على أراضيهم وأوطانهم.

وشعيرة الحَج تُقدِّم لنا دروسًا في كيفية مواجهة التحديات، وأولها ضرورة أن نكون صفًا واحدًا، لا أُمَّة مُشتَّتة، تُفرِّقُها المذهبية والطائفية البغيضة، وتنهش الأحقاد والضغائن في جسدها، أو تنالها المُؤامرات من الشقيق والقريب، فكما أن المسلمين يتحدون في هذه الشعيرة على التوحيد وعبادة الله الخالق، واقفين على صعيد واحد بلا جاهٍ ولا سُلطة، يجب أن نكون نحن في هذه الحياة، إخوة شركاء في الإنسانية، ننتصر للمظلوم ونُعادي الظالم ونقف في وجهه لنقول كلمة الحق التي أمرنا الله بها.

فبينما يئن المسجد الأقصى من دنس الصهاينة، ويواجه الشعب الفلسطيني البطل بمفرده واحدة من أبشع المذابح في التاريخ وأقبح جريمة إبادة جماعية في غزة والضفة، نجد المسلمين وقد ضربهم الوهن، عاجزين عن نصرة إخوانهم المستضعفين، في ظل ما تُعانيه الأمة من تهميش لقضاياها الأساسية، بسبب انشغالها في توفير لقمة العيش للشعوب التي تعاني التأخر الحضاري والفكري، بعدما كانت واحدة من منارات العلم والمعرفة في العالم. أصبحت أمة الإسلام بلا وزن حقيقي فاعل بين الأمم، تتناهشها الضباع من دول الاستعمار القديم والحديث، والشركات العابرة للحدود، والمصالح التي لا تعترف بالقيم الإنسانية، وإنما تؤمن فقط بعبادة المال.

هنا علينا أن نستشعر العِظات من خطبة الوداع، التي ألقاها نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، في يوم الحج الأكبر قبل وفاته، وأهمها حرمة الدماء والأموال، واستحلال الحرام، وإلحاق الظلم بالنساء، والانشغال عن عبادة الله، وأكل أموال النَّاس بالباطل، ولا سيما في المواريث، وعدم الاقتتال فيما بين المُسلمين، لأنهم في نهاية المطاف إخوة.. يقول نبينا المصطفى: "أيُّها الناس: إنما المؤمنون إخوة ولا يحلّ لامرئ مال أخيه"، وهو توجيه نبوي تنفيذًا للأمر الإلهي بعدم الظلم والجور على حقوق العباد.

إننا ونحن نقترب من يوم عرفة؛ حيث يقف المسلمون على هذا الجبل الأشم، تحت حرارة الشمس، يرجون رحمة الله، فإنَّ علينا إدراك أغلى قيمة في هذه الحياة، وهي قيمة العمل، فكما أن الحاج يُغفر له ذنبه بعد أيام شاقة من العبادة خلال موسم الحج، كذلك الإنسان في حياته العادية، لن يُحقق النجاح ما لم يبذل الجهد والعناء لأجل بلوغ أهدافه، فقط من خلال العمل، وحسن تنفيذه، وإتقانه، والإخلاص في أدائه.

ويعقب يوم عرفة، يوم النحر؛ حيث نتعلم قيمة الفداء والتضحية، وهي دعوة صريحة للإيمان بهذه القيمة العظيمة، لا سيما فيما يتعلق بالأوطان، التي لا تنهض إلا بالفداء والتضحية، والتضحية هنا لا تعني بالضرورة التضحية بالنفس، وإنما بالجهد والعطاء، وهو ما يُعيدنا إلى القيمة الأسمى التي يحض عليها الإسلام، إنِّها قيمة العمل "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ".

ولأنَّ ديننا دين الاعتدال والوسطية، فإننا في عيد الأضحى المبارك، مطالبون بقضاء أسعد الأوقات باعتدال، في المأكل والمشرب، وألا نغفل عن العبادة والعمل في هذه الأيام المُباركة، وأن تكون فترة للتزود بالطاقة الروحية والإيمانيات، لننطلق بعدها في أعمالنا، بكل جدٍ واجتهاد.

ويبقى القول.. إنَّ واقع الأمة اليوم يستدعي منَّا جميعًا أن نستخلص العبر والعظات من مناسباتنا الدينية، وفي مناسبة الحج وعيد الأضحى المبارك، علينا أن نُعلي من قيم العطاء والبذل والتضحية والفداء والعدالة والقول الصادق والتفاني في العمل وتحمُّل مشاق السعي، لكي نبلغ ما نتطلع إليه ونُحقق السعادة التي نرجوها، وأن تُحقِّق الأمة العربية والإسلامية أسمى أهدافها في تحرير المسجد الأقصى وتحرير كامل تراب فلسطين من دنس الصهاينة ومن يُواليهم، لنكون حينئذٍ "خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ".

الأكثر قراءة

z