مستقبل الشباب.. الجدية أم التراخي؟

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

 

مرحلة الشباب أهم مرحلة في العمر؛ فهي مرحلة قوة بين ضعفين، ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، وفيها تتبلور الشخصية، ويبدأ الشباب المدركون لمصلحتهم في رسم ملامح مستقبلهم، والتخطيط لأهدافهم والعمل على تحقيقها، وهي الفترة التي يكون لدى الشباب قدر كبير من الطاقة والحيوية، والقدرة على الاستيعاب والتعلم، والانطلاق نحو البحث عن الفرص المشروعة واغتنامها، إذا عقدوا العزم واخذوا بالوسائل الجادة التي تقودهم الى النجاح وبلوغ الغايات.

وقد أرشد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أهمية استثمار هذه المرحلة فقال: "أغتنم شبابك قبل هرمك".

والشاب هو الذي يتحمل مسؤوليته تجاه مستقبله للنهوض بنفسه وتحقيق أهدافه، ولا أحد غيره، وإذا لم يُحسن تنظيم أموره وتدبير شؤونه، ليكون على مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه في إدارة حياته، واختلت موازينه وساءت أحواله، فلا يلقي باللوم على الظروف أو الأسرة أو الدولة، ولا يحمل الآخرين تبعات اختياراته تهرُّبًا من مسؤوليته الشخصية؛ فهو وحده الذي يملك زمام حياته، والقادر على إحداث التغيير في مساره، وتوجيهه نحو الأفضل، إذا أخلص السعي، قال تعالى: "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ" (النجم: 39-40)، أما إذا تهاون وتراخى، فإنَّ الوقوع في الأوضاع السيئة والظروف الصعبة يصبح مآلا محتوما .

ولو تأمَّلنا في الأشخاص الذين نجحوا في مختلف القطاعات لوجدنا أنهم شباب وشابات عاديون لا يختلفون عن أي أحد في شيء، ولكنهم سعوا واجتهدوا وبحثوا عن الوسائل الفعَّالة التي مكنتهم من تأسيس مؤسساتهم التجارية الناجحة، أو الحصول على وظائف مرموقة برواتب مجزية في القطاع العام أو الخاص.

وهناك نماذج مُشرِّفة كثيرة، استطاعت أن تبني نفسها من الصفر بالمثابرة والاجتهاد والإيمان بقدراتها وإمكاناتها الذاتية، وحققت نجاحات متميزة، حتى أصبحت من النماذج الملهمة التي حازت على تقدير وإعجاب كبير في مجتمعها.

ولم يصل هؤلاء إلى تلك المراتب مصادفةً أو بضربة حظ، وإنما جاء ذلك بعد صبر ومثابرة واشتغال على الذات؛ فقد تعلموا وطوروا مهاراتهم، واستثمروا في أنفسهم وأوقاتهم فيما ينفع مستقبلهم، حتى أصبحوا مطلوبين في سوق العمل، وتتنافس المؤسسات على استقطابهم لما لديهم من كفاءة تضيف قيمة عالية إلى العمل وتطوره؛ سواء كانوا قياديين أو موظفين. ومن هؤلاء العِصاميين من أصبح يمتلك شركات خاصة ناجحة يديرونها بأنفسهم.

ولذا.. فإنَّ المستقبل يبدأ من طريقة تعامل الشاب مع نفسه، فهل يقضي وقته في الانغماس في اللهو واللعب، وإهدار الوقت والصحة والمال عبثا، أم يوجه حياته نحو الرعاية والاهتمام بالذات، والعمل بجد واجتهاد وإخلاص مؤديًا واجبه، دون كللٍ أو مللٍ؟!

فاختياره يحدد طريقه، وما يحتاجه الشاب للوصول الى مستويات متقدمة في حياته، هو التركيز على الهدف، والسعي المستمر بعمل دؤوب وخطوات واثقة من أجل النجاح والتفوق، مؤمنًا بمقولة "من جَدَّ وَجَدَ، ومن زرع حصد".

والحياة تكافئ بالنجاح من يجتهد ويثابر ويعمل بجد على تطوير نفسه، وذلك لا يتعارض مع أخذ قسط من الراحة والترفيه والاستجمام أحيانًا، كما إن الحياة تفتح أبوابها لمن يصنع طريقه بالتخطيط السليم، والتنفيذ الأمين، والأداء المتقن.

أما من لا يملك رؤية أو هدفًا، ويعيش يومه كيفما جاء، فإنه يفتح باب التشتت والضياع على نفسه، ومن ليس لديه خطة فذلك بحد ذاته خطة للفشل.

والذي لا يتحرك باحثًا عن مستقبله يبقى عالقًا منغلقًا في حاضره، منتظرًا ما لا يأتي عامًا بعد عام.

والفرص عصيّة المنال، لا تُسلِّم نفسها طواعيةً لأحد، وإنما يقتنصُها من هيَّأ نفسه لها فكرًا وعملًا وخلقًا وإرادة وإقدامًا، مصداقًا لمقولة: "وما استعصى على قوم منال، إذا الإقدام كان لهم ركابًا".

ومن الخطأ أن يقول الشاب: "لا أستطيع وهذا مستحيل"، حين يتطلب القيام بإنجاز لنفسه ومجتمعه؛ فهذه أفكار من يستسلم للعجز والتخاذل، فيوهن عزيمته ويثبطها، فلا يبذل الجهد ولا يبادر بالمحاولات تلو المحاولات، وإنما يبقى ساهيًا لاهيًا في ركن قصي متفرجًا، وكأن الأمر لا يعنيه، وكأنَّه ليس في خضم رحلة حياة في ساحة التحديات، ولابد من مواجهتها والانتصار عليها، من أجل تقدمه ورفعته وازدهاره.

والشباب ذكورًا وإناثًا هُم طاقة المجتمع المتوقدة وعماد الوطن، ومن يحرص على تعليم نفسه وإعدادها إعدادًا فائقًا متوازنًا، مستفيدًا مما تزخر به البلاد من مقومات متنوعة وخيرات عديدة، فإنه بذلك يبني مستقبله بما يحقق مصلحته ومصلحة مجتمعه ووطنه، على الدوام.

الأكثر قراءة

z