المُفكِّر خميس وتجاوز حدود الانتماءات

 

محمد بن رضا اللواتي

ثمَّة مُفكِّر، يغطس في الأفكار والمعارف ليخرج برؤى ناقدة تتعلق برؤيته الفكرية، ثم يطويها في حياته الشخصية، ولا يكاد يُبديها لأحد لعدة اعتبارات. المرحوم خميس العدوي لم يكن ينتمي إلى هذه الفئة، وإنما كان من أولئك الذين يغوصون في الفكر لكي يقوموا لاحقًا بعرض رؤيتهم الناقدة لأجل تغيير الواقع المحيط إلى أفضل.

لا زلتُ أذكرُ إلحاحه عليَّ لتقديم ورقة فلسفية في الحكمة المتعالية في ندوة كانت مكتبة "الندوة" العامة في ولاية بهلاء بصدد عقدها؛ حيث كان يُصَّر أن يتم التعريف بكتاب "المُصمِّم الأعظم" للدكتور حسن بن أحمد اللواتي. وفعلًا تمكَّن من إقناعي لإعداد ورقة توضِّح الفوارق بين "بُرهان الإمكان والوجوب" للرئيس ابن سينا، وبين "بُرهان الصِّدِّيقين" لصدر المتألهين الشيرازي؛ باعتبار أن الدكتور حسن اللواتي في مناقشاته للراحل "ستيفن هوكينج" قد عرضه ضمن دلائل وجود خالق للعالم.

رافقني في هذه الرحلة من مسقط إلى بهلاء الدكتور هلال اللواتي، وكنت في الطريق أعرض حجج المرحوم على الدكتور هلال، وكيف تمكَّن من محاصرتي لإعداد الورقة.

لعلَّ أبرز ما قاله لي هو: "الموضوع ليس في عرضك لورقة، وإنما في دمج الرؤى والثقافات في بعضها وإزاحة الحوائل النفسية في التعرُّف عليها واحترامها وتقديرها بصفتها جهدا معرفيا يتجاوز حدود الطائفة والمذهب والانتماء". هذه الكلمات لا تزال ترن في سمعي، ولم أستطع حيالها إلا الإجابة.

وفي المدخل التعريفي للندوة، قدَّم المرحوم ورقة أكد فيها على خطورة السماح للانتماءات أن تقف دون الاستفادة من الفكر والمعرفة، وكان يشيد بكتاب الدكتور حسن ويظهر ذهوله أنه إلى اللحظة لم يتم الإشادة به كما ينبغي بصفته أول عمل ناقد لكتاب "للتصميم العظيم" على مستوى العالم العربي.

لقد كان خميس العدوي مُفكِّرًا يحمل على أكتافه هموم التنوير، يعمل على رأب الصدع، ويُعادي التعصب والانغلاق، ذو ضحكة لا تدعك إلّا وأن تضحك معه. لا شك سوف تفقده المشاريع الأصيلة التي تعمل على تجاوز العرق واللون والانتماء.

رحم الله المُفكر والباحث خميس العدوي. أسأل الله له المغفرة والرحمة. إنه سميع الدعاء.

الأكثر قراءة

z