الحركة الرابعة: «نداهة» الصحافة.. شفرة العمر كله
50 عامًا في قلب الصحافة والفكر والكلمة
د. مجدي العفيفي
(20)
نعم.. نداهة الصحافة.. شفرة العمر كله
عنوان وحده يكاد يكون فصلًا أدبيًا قائمًا بذاته: «نداهة الصحافة.. شفرة العمر كله»
ففي الكلمة المصرية الشعبية «الندّاهة» شيء من السحر والقدر معًا نداءٌ لا يُقاوَم، يسمعه الإنسان مرة، فيمضي وراءه العمر كله.
في حياة كل إنسان لحظة خفية، لا تبدو في ظاهرها كبيرة، لكنها تغيّر مسار العمر كله.
لحظةٌ أشبه بنداءٍ غامض يأتي من مكانٍ لا نعرفه.
يسميها أهل الريف في مصر« الندّاهة» ذلك الصوت الذي ينادي الإنسان باسمه في الليل، فيترك الطريق الذي يعرفه ويمضي خلف النداء.
كنت يومها في جامعة القاهرة. كل شيء كان يبدو مرسومًا بعناية: التفوق الدراسي، إعجاب الأساتذة، وتوقعاتهم بأن أكون واحدًا منهم يومًا ما. كان الطريق الأكاديمي واضحًا مثل شارع مُستقيم. أُنهي دراستي.. أعمل مُعيدًا.. أكمل البحث العلمي.. ثم أصبح أستاذًا في كلية الآداب.
كان ذلك مصيرًا مشرفًا، وربما كان سيمنحني حياة هادئة. لكن الحياة، كما تعلمت لاحقًا، نادراً ما تختار الطرق الهادئة لمن يحبون المُغامرة الفكرية.
في مكانٍ ما من الروح كنت أسمع صوتًا آخر. صوتًا يقول إنَّ العالم أوسع من قاعات المحاضرات.
وأن التاريخ لا يُكتب فقط في الكتب، بل يُكتب أيضًا في غبار الأحداث اليومية. كان ذلك الصوت هو الصحافة.
نداءٌ آخر.. لكنه ليس سلامًا. إنه نداء الجذب، الإغواء، التورط في المعنى والزمن. هنا يبدأ الإنسان في الاستجابة لأصوات الأرض.. قبل أن يتعلم كيف يُميز بينها وبين النداء الأعلى.
من القاهرة إلى عواصم الخليج.. حين اتسعت الخريطة
اتساع المكان… لكن هل اتسع الداخل؟
كلما كبرت الخريطة، يصبح السلام أكثر بُعدًا… وأكثر ضرورة.
(21)
في عام 1976 دخلتُ بلاط صاحبة الجلالة صحيفة "أخبار اليوم". ولم أكن أدرك يومها أنني لم أدخل مُجرد مؤسسة مهنية، بل دخلت كونًا كاملًا.
في الصحافة يتغير إيقاع الحياة. الوقت لا يقاس بالساعات، بل بالسبق الصحفي.
الخبر لا ينتظر أحدًا، والحدث لا يمنحك رفاهية التأمل الطويل. كل شيء يتحرك بسرعة الحياة نفسها. كانت الصحافة بالنسبة لي أكثر من مهنة. كانت مدرسة كبرى لفهم البشر.
في الجامعة تعلمت النظريات، لكن في الصحافة تعلمت الواقع. تعلمت أن السياسة ليست مجرد أفكار، بل شبكة معقدة من المصالح والرهانات. وتعلمت أن الإنسان أكثر غموضًا مما تصفه كتب علم النفس. ومع مرور السنوات اكتشفت أن الصحافة تشبه البحر. من يقترب من شاطئها يمكنه أن يعود إلى البر بسهولة. لكن من يُغامر بالدخول إلى عمقها يصعب عليه أن يغادر.
لقد أصبحت الصحافة إيقاع حياتي كله. كانت تقودني إلى الأحداث، وإلى المدن، وإلى اللقاءات التي لا يُمكن التخطيط لها مسبقًا.
وكانت تفتح أمامي أبوابًا لم أكن أعرف بوجودها أصلًا.
(22)
ومع الزمن تدرجت في بلاط صاحبة الجلالة. خطوة بعد خطوة.. تجربة بعد تجربة.. حتى وصلت إلى رئاسة التحرير؛ ذلك الموقع الذي يبدو من الخارج قمة الهرم. لكنه في الحقيقة قمة المسؤولية؛ فالصحافة ليست مجرد كلمات تُكتب، بل وعيٌ يُصاغ، وصورة للعالم تُقدَّم للناس كل صباح.
وكان عليَّ أن أتعلم كيف أوازن بين الكلمة والضمير، بين الحقيقة والضغوط، بين الحلم والواقع.
لكن المدهش في الرحلة أنني لم أترك الجامعة تمامًا.
شيء في داخلي ظل مُتعلقًا بذلك العالم الأول. ولهذا عدت إليه من باب آخر.. باب البحث العلمي. حصلت على الماجستير، ثم الدكتوراه من جامعة القاهرة. وكأن حياتي كانت تحاول أن تصنع جسرًا بين عالمين: عالم الفكر.. وعالم الحدث.
وبين هذين العالمين تشكلت شخصيتي المهنية والفكرية.
(23)
اليوم، وأنا أقف في شرفة العام السبعين، أفهم أن الصحافة لم تكن مجرد اختيار مهني. كانت شفرة العمر كله. من خلالها فهمت السياسة، والثقافة، والسلطة، والإنسان.
ومن خلالها سافرت إلى عوالم كثيرة، لم يكن يمكن أن أصل إليها لو بقيت في الطريق الأكاديمي الهادئ.
لقد كانت الصحافة بالنسبة لي مثل تلك «النداهة» القديمة.. نداءٌ غامض جاءني في لحظة من الشباب، فسرت خلفه.. فاكتشفت أنَّ الطريق الذي ظننته قصيرًا.. كان في الحقيقة رحلة العمر كله.
ومن شرفة العام السبعين، أبتسمُ الآن لتلك اللحظة الأولى. لحظة الاستجابة لذلك النداء؛ لأنني أدركت شيئًا بسيطًا تعلمه الحياة لمن عاشها طويلًا: أن القدر أحيانًا لا يصرخ في آذاننا؛ بل يهمس فقط. ومن يسمع الهمسة قد يجد نفسه بعد سنوات طويلة وقد عاش الحياة التي كانت تنتظره.
