حسين الراوي
في يوم 27 مايو 2026، وخلال اجتماع مجلس الوزراء في البيت الأبيض، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحًا صادمًا تجاه سلطنة عُمان، الحليفة للولايات المتحدة. قال ترامب، ردًا على سؤال حول مضيق هرمز: "عُمان ستتصرف مثل الجميع، وإلا فسيتعين علينا تفجيرهم". كلمات فجة، غير موزونة، وتفتقر تمامًا إلى أدنى درجات الحكمة السياسية.
يُظهر هذا التصريح، مرة أخرى، أن ترامب لا يجيد التمسك بالأسلوب الدبلوماسي المهني في تعاملاته مع الدول والرؤساء. هو فوضوي في تصريحاته، غير واضح في توجيهاته، وغريب في بعض قراراته. كما أثبتت الصحافة الأمريكية مرارًا وتكرارًا كذبه في العديد من أقواله، ويستخدم التهديد المباشر كأداة أساسية بدلًا من الحوار.
ولم يكن هذا الأسلوب جديدًا عليه؛ فقد سبق لترامب أن أطلق تصريحات مثيرة للجدل تحدث فيها عن ضم دول ذات سيادة إلى الولايات المتحدة، مثل كندا، وفنزويلا، وبنما، وحتى كوبا، في طرح يعكس ذهنية توسعية غير واقعية، أقرب إلى الاستعراض الإعلامي منها إلى السياسة الجادة، ويكشف عن فهم مضطرب لطبيعة العلاقات الدولية القائمة على السيادة والاحترام المتبادل.
سيرة ترامب، منذ بداياته الأولى في عالم الأعمال وحتى عودته إلى البيت الأبيض، مليئة بالفضائح والتجاوزات القانونية. سُجلت ضده مئات القضايا في المحاكم الأمريكية، تتعلق بالاحتيال، والتهرب الضريبي، والاعتداء الجنسي، والتآمر لقلب نتائج الانتخابات. لم يكن ترامب رجل أعمال ناجحًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان ماهرًا في استخدام الدعاية والإفلاس الاستراتيجي للشركات.
ومن أبرز النقاط السوداء في سيرته علاقته بجيفري إبستين، المجرم الجنسي المُدان. كان ترامب يعرف إبستين جيدًا، ووصفه ذات مرة بأنه "رجل عظيم"، قبل أن ينفصل عنه. جزيرة إبستين كانت مسرحًا لجرائم جنسية بشعة ضد قاصرات، وارتبط اسم ترامب بهذا الملف في شهادات ووثائق قضائية، رغم نفيه أي تورط مباشر.
ترامب يقود أمريكا ليس كسياسي محنك، بل كـ«بلطجي» يعتمد لغة التهديد واستعراض القوة:
• كذبة "الانتخابات المسروقة": أصر ترامب على أن انتخابات 2020 سُرقت، رغم رفض المحاكم والمسؤولين الجمهوريين أنفسهم لهذه الادعاءات، مما أدى إلى أحداث 6 يناير 2021 الدامية.
• الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران (2018): قرار أحادي أدى إلى تصعيد نووي إيراني، ولم يحقق مكاسب واضحة.
• التعامل مع كورونا: قلل ترامب من خطر الوباء، وطرح أفكارًا غير علمية أربكت الاستجابة الأمريكية.
• التهديدات المتكررة: هدد دولًا حليفة وخصمة على حد سواء، في سلوك يعكس غياب الاتزان السياسي.
ولم تمر تصريحاته الأخيرة تجاه سلطنة عُمان دون انتقاد؛ إذ عبّر عدد من السياسيين الأمريكيين عن رفضهم لهذا الخطاب، مؤكدين أن لغة التهديد لا يمكن أن تُستخدم مع دولة حليفة قديمة للولايات المتحدة، تربطها بها علاقات سياسية وعسكرية راسخة. كما شددوا على أن عُمان دولة ذات ثقل سياسي عربي، لعبت دورًا محوريًا كوسيط موثوق بين إيران وعدة أطراف دولية، وهو ما يجعل استهدافها بهذا الأسلوب تصرفًا غير مسؤول يضر بالمصالح الأمريكية نفسها.
هذه الأمثلة ليست مجرد زلات، بل نمط متكرر من الارتجال والاندفاع الشخصي على حساب المصلحة الوطنية.
ولا يقتصر الأمر على تصريحاته السياسية المثيرة، بل يمتد إلى نمط متكرر من الادعاءات التي سرعان ما تتعرض للتكذيب، حيث لعبت وسائل الإعلام والصحافة الأمريكية دورًا رئيسًا في كشف حقيقتها. فقد صرّح دونالد ترامب مؤخرًا بأن أحد الرؤساء الأمريكيين السابقين أبلغه بأنه "فعل ما لم يستطع الآخرون فعله"، غير أن هذا الادعاء قوبل بتكذيب واضح بعد أن سارعت الصحافة الأمريكية إلى التواصل مع الرؤساء السابقين، من بينهم باراك أوباما وبيل كلينتون وجو بايدن، الذين نفوا ذلك بشكل صريح، إضافة إلى عدم وجود أي تأكيد من جورج دبليو بوش، ما يعني أن الرواية التي طرحها ترامب لم تجد ما يدعمها من أي طرف معني.
وفي سياق آخر، يحرص ترامب على تقديم نفسه كشخص كان متفوقًا دراسيًا منذ مراحله التعليمية الأولى، إلا أن الصحافة كشفت، من خلال السجلات الدراسية القديمة، أن ترامب يكذب، حيث كان في المرتبة 39 من أصل 40، وهذا يعكس حالة من حب التضخيم الشخصي لدى ترامب!
في المقابل، يُعدّ عدم صدور رد رسمي من سلطنة عُمان حتى الآن أفضل خيار دبلوماسي ممكن. عُمان، المعروفة بـ«الحياد الإيجابي» وسياستها الهادئة، تدرك أن أي رد غاضب قد يفتح باب توتر غير ضروري مع الولايات المتحدة وبقية دول الخليج في وقت حساس يشهد تصعيدًا إقليميًا حول مضيق هرمز -الذي يمر منه نحو 20% من النفط العالمي-. ليس من الحكمة أن ترد دولة مسؤولة على «كلمة فجة» بتصعيد سياسي كبير. الصمت هنا ليس ضعفًا، بل رزانة ووعي بالمصالح العليا.
في النهاية، تصريح ترامب ضد عُمان ليس مجرد زلة لسان، بل تجسيد لأسلوب حكم يعتمد على التهديد والفوضى بدلًا من الدبلوماسية الذكية. الولايات المتحدة تستحق قيادة أكثر نضجًا، والمنطقة العربية -خاصة دول الخليج- تحتاج إلى علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، لا على لغة "التفجير".
سلطنة عُمان، كعادتها، تثبت أن القوة الحقيقية تكمن في ضبط النفس والحكمة، لا في الصراخ والتهديد، وهذا بالضبط ما ينقص ترامب.
