عُمان.. الحياد الإيجابي المُؤتمن

 

 

حمد الناصري

 

تنطلق سلطنة عُمان في فلك الدبلوماسية الدولية من عقيدة متزنة تدعو دائمًا إلى تغليب لغة الحوار بين الفرقاء؛ إذ تسعى بثبات إلى نزع فتيل التصعيد ورفض أي اعتداء على دول الجوار، مؤكدةً تمسّكها الصارم بصون أمن دول الخليج العربي كخط أحمر لا مساس به. وقد تجسّد هذا المبدأ في حرصها الدائم على التفاهم وبناء الثقة السياسية؛ حيث تقف السلطنة بثبات وشجاعة خلف نهجها الهادئ، مترفعة عن الضجيج الإعلامي، ومبتعدة عن الدعايات التي تطمس الحقائق أو تُشوّه الوقائع، لبرهنة أن عُمان دولة عميقة الأثر، تتحرك بثقة وحياد إيجابي مؤتمَن.

ويواكب هذا الحضور السياسي نهج إعلامي مدروس، لا ركاكة فيه ولا ضعف، ولا خفة ولا ضجيج؛ ليعكس حقيقة عُمان كدولة في القول والفعل، وكيان سياسي فاعل على الأرض. إنها دولة العقل الذي لا ينفصل عن الأفعال، تدمج بامتياز بين العقل الأخلاقي وبين القرارات الفاعلة، تقودها منظومة لا تنفصل عن أفكارها المؤسساتية، وتصوغ قراراتها برؤية جماعية، واقعها القدرة على التغيير الملتزم بالقيم والأخلاق. وفي هذا النموذج الفريد، تبرز كدولة لا نشوز لِمسؤوليها على مبادئها، بل رُشدهم الواجبات الوطنية المُستمدة من القانون والأخلاق، يساندهم شعب وقيادة كالبنيان المرصوص، لا خروج فيه عن الواجب، وتُشكل فيه المُساءلة حجر الزاوية وضمانًا أساسيًا للاستقرار.

ومن هذه السياسة العميقة، استمد العُمانيون تميزهم؛ حيث تجسد هذا الوعي في الرؤية السديدة للسلطان الأريب هيثم بن طارق -أعزه الله-، أنقى الرجال وأصفاهم، والذي تلقّف أبناء الوطن توجيهه السامي بمحمل الجد والامتثال، إدراكًا لعمق أبعاده الاستشرافية لتبقى أمتنا العُمانية شامخة عزيزة. هذا الخط الفكري الرصين هو امتداد لإرثٍ تاريخي صاغه السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-، الذي أكد خلال الأزمات الإقليمية في سبعينيات القرن الماضي قائلًا: "إننا لا نُريد أن نكون طرفًا في صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وهدفنا دائمًا هو البناء والتنمية". فقد كان- رحمه الله- يرى منذ مطلع النهضة أنه لا ضرورة لقواعد أجنبية في منطقة الخليج العربي.

وقد كان هذا القائد العاقل الكيِّس يغتنم الفرص لخير الناس أجمعين، ويتحلّى بالصبر على الحق، حتى وصفه الكاتب سيرجي بليخانوف بأنه قائد حكيم ومُصلح تاريخي نقل عُمان إلى العصر الحديث مع الحفاظ على قيم السلطنة التقليدية. إن هذه الرؤية الحكيمة عقيدة راسخة، تجلّت في أبعاد متزنة وسديدة منذ بداية السبعينيات، مدفوعة بإيمان وثيق بأنّ أمن المنطقة هو مسؤولية أبنائها، وأن الاستقرار الحقيقي ينبع دائمًا من الداخل، وليس عبر التوازنات العسكرية الخارجية.

وتأسيسًا على هذا المرتكز التاريخي، فإن قراءة الفلسفة السياسية لسلطنة عُمان عبر العقود الماضية وحتى يومنا هذا في عام 2026، تؤكد أننا لسنا أمام مواقف دبلوماسية عابرة، بل نتأمّل مدرسة حُكم راسخة وعقيدة دولية متكاملة الأركان؛ حيث أثبتت الأيام والمتغيرات المتسارعة صِدق وجدوى الرؤية الاستشرافية لحكيم عُمان، السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الذي زرع بذور الحِياد الإيجابي، وبرهن للعالم أن التحصين الحقيقي للأوطان يكمن في صلابة جبهتها الداخلية ونضجها السياسي.

وامتدادًا لهذا الإرث، تُواصل سلطنة عُمان اليوم مسيرتها المظفرة برؤية متجددة تترجم العقل الأخلاقي إلى واقع تنفيذي مشهود، تتكامل فيه أدوار المؤسسات تحت مظلة القانون والحوكمة الشاملة. ويتجلّى هذا العهد المتجدد بأبهى صُوره في القيادة الحكيمة للسلطان الأريب هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-، الذي تسلّم الأمانة باقتدار، ليمضي بالبلاد نحو آفاق «رؤية عُمان 2040» بخطى واثقة، تجمع ببراعة فائقة بين التحديث المؤسسي المستدام والأصالة القيمية الراسخة.

ولم يكن هذا التفرّد العُماني نتاج مصادفة سياسية، بل هو ثمرة وعي مجتمعي عميق تماهى مع الفكر الاستشرافي لقيادته؛ إذ يرى أبناء عُمان في التوجيهات السامية لجلالة السلطان الأريب هيثم بن طارق -أعزه الله-، أنقى الرجال وأصفاهم، ميثاق عمل وطني يمضون خلفه بكل جدية وعزم، مُستلهمين من هذه الرؤية السديدة قوتهم لتبقى الأمة العُمانية عزيزة شامخة، ومحصنة بإرثها القيمي الذي لا يتزعزع.

ويتجلى هذا الفكر الحيوي كامتدادٍ أصيل لما قاله السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- خلال الأزمات الإقليمية، وتحديدًا في سبعينيات القرن الماضي: "إننا لا نُريد أن نكون طرفًا في صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وهدفنا دائمًا هو البناء والتنمية."؛ فقد كان يرى -رحمه الله- منذ مطلع النهضة أنه لا ضرورة لقواعد أجنبية في منطقة الخليج العربي؛ هذا القائد العاقل الكيّس، الذي كان يغتنم الفرص لخير الناس أجمعين، ويتحلى بالصبر على الحق.

ولم يكن موقف السلطان قابوس في تلك المنعطفات ليُختزل في ظروف عابرة، أو تمنعه قسوة المرض والوجع، بل كان حضور جلالته أشبه بجغرافية عُمان بكل تفاصيلها؛ برًّا وأرضًا وسماءً، جبالًا ووديانًا. كان قابوس هو "الخبر" الأسمى الذي يُطمئن الوجدان، فجاءت كلماته بردًا وسلامًا وطمأنينة واستقرارًا للشعب، بعد أن انحبست الأنفاس واصفرّت الألوان كأوراق الشجر في خريفها.

لقد تجلّت في تلك اللحظات التاريخية ملحمة روحية ارتبطت بالقائد العظيم، وجسّدت مشاعر بأعلى مُستويات الحب العميق، وبأرقى ذروة للوفاء والمحبة المُتبادلة بين القائد ورعيته؛ وهي مشاعر تذكرنا بوجدان القادة العظام وتعلقهم بأوطانهم، كمثل سيد الأنام ومصباح الظلام نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم أن خرج من مكة مهاجرًا وهو حزين لفراقها، فوقف مودعًا لها بقوله: "والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجت منكِ ما خرجت"، فرغم أنّ الناظر إلى مكة آنذاك قد لا يرى سوى جبالٍ وحجارة وأودية غير ذات زرع، إلا أنها كانت في قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا بأسرها؛ وهكذا كانت عُمان في قلب قابوس، وهكذا سيبقى قابوس حيًّا في قلوب العُمانيين.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z