هندسة المشاعر.. وسائل التواصل مختبرٌ للعواطف وصناعة النفس

 

 

 

د. هبة العطار

في عصرنا الرقمي، لم يعد الإنسان متلقيًا عابرًا للمنشورات والمحتوى، بل أصبح بيئة تتشكل فيها المشاعر بدقة، ويصنع فيها السوشيال ميديا حالة شبه مخبرية للعقل والوجدان. العواطف التي كانت تُولد عبر التجربة الواقعية والتفاعل المباشر أصبحت اليوم قابلة للهندسة، قابلة للتوجيه من خلال الترندات (الظواهر الأكثر تداولًا)، والأغاني، والصور، والمنشورات اليومية.

كل مدخل رقمي يُترك دون وعي يحمل في طياته القدرة على تحريك المشاعر، أحيانًا بطرق دقيقة، أحيانًا بطرق مؤذية، بحيث تتحول اللحظة العابرة إلى حالة مزمنة من الشعور تتغلغل في الداخل.

البعد النفسي لهذه العملية عميق. عندما تُعرض النفس على موجات مستمرة من المحتوى السلبي، يتشكل لدى الفرد إحساس دائم بالقلق أو الحزن، ويبدأ الدماغ في التفاعل مع هذه المدخلات كما لو كانت تهديدًا حقيقيًا، حتى لو لم تكن مرتبطة بالواقع المباشر. الغيرة الرقمية، المقارنات المستمرة، أو متابعة حياة الآخرين المثالية عبر الشاشات، تخلق شعورًا بالنقص، يربط الأداء الشخصي بالقيمة الذاتية، فيبدأ الإنسان يقدّر نفسه من خلال ما يراه على منصات التواصل لا من خلال تجربته الفعلية في العالم الواقعي.

تأثير هندسة المشاعر لا يقتصر على الحالة النفسية فحسب، بل يمتد ليشمل السلوك والأداء اليومي. الحزن الرقمي المزمن، الغضب، أو القلق الناتج عن التعرض المستمر لمحتوى سلبي، يمكن أن يؤدي إلى تراجع في الإنتاجية، اضطراب في العلاقات، فقدان الحافز، وحتى تغييرات في القرارات الحياتية الأساسية. الإنسان يصبح متفاعلًا أكثر مع عالم الصور والمقاطع والمنشورات، وأقل تفاعلًا مع واقعه الشخصي، وكأن قلبه وعقله أصبحا يُداران جزئيًا من خارج إرادته.

الجانب الفلسفي يكمن في التساؤل عن الحرية والاختيار: إلى أي حد ما نشعر به هو شعورنا الحقيقي، وإلى أي حد هو نسخة مُعاد هندستها وفق مدخلات خارجية؟ عندما تتحكم المنصات الرقمية في ما نراه ونشعر به، يتحول الإنسان من كائن حُر في تجربة الحياة إلى متلقي للعواطف الموجهة، فيصبح عالمه الداخلي مرآة معدّلة لعالم خارجي يتحرك وفق خوارزميات ومعايير غير مرئية. هنا يظهر التحدي الحقيقي: الحفاظ على وعينا، التمييز بين المشاعر الحقيقية والمشاعر المُصنّعة، حماية مساحة العاطفة الداخلية، والاستمرار في أن نكون نحن صناع حياتنا، لا مجرد متلقين لما يريده الآخرون أن نشعر به.

في النهاية.. هندسة المشاعر ليست مجرد فكرة فلسفية، بل واقع عملي يتطلب من كل إنسان أن يراقب مدخلاته الرقمية، أن يضع حدودًا لما يتعرض له، وأن يسأل نفسه دائمًا: هل ما أشعر به ينبع من داخلي، أم أنه صناعة الآخرين؟ وعند فهم هذه الديناميكية، يمكننا أن نستعيد التحكم في عواطفنا، ونمنح أنفسنا الحرية الحقيقية للعيش والشعور والتفاعل وفق إرادتنا، لا وفق محاكاة خفية للعواطف.

الأكثر قراءة

z