آية السيابي
أول ما يلفت نظر القارئ في رواية "بيت العنكبوت" هو استهلال فصولها بمقاطع مختارة بعناية من أغاني فنان العرب المطرب الخليجي القدير محمد عبده، وهذا ما يحيل القارئ مباشرة للشعور بأنه مُقبل على سرد يعتمد بُعدًا نفسيًا ووجدانيًا يمسه بشكل خاص، ما يُشير إلى وعي الكاتبة بأهمية التناص الموسيقي في إثراء البنية السردية.
وتبدو هذه الرواية مختلفة عن مشروعها السابق في ثلاثية "البيرق" التي اشتغلت على توثيق التحولات الاجتماعية والسياسية في عُمان خلال القرن العشرين برؤية تاريخية عامة، بينما تنحاز "بيت العنكبوت" (وهي آخر ما صدر لشريفة التوبي) إلى دواخل الإنسان وتكوينه النفسي والعاطفي. ذلك أن الرواية تخوض في مسرح البيت الأسري وتفاصيله، وفي النسيج العاطفي والتكوين البنيوي للفرد والعائلة. تتناول الرواية قضية الإخفاق العاطفي من أطراف عدة، بدءًا بالبنت الطفلة التي شهدت تفاني أمها في خدمة أبيها. ثم الأب الذي أراد أن يوقظ صباه من جديد بالزواج من شابة صغيرة في السن، ثم خيانة الزوجة الجديدة للزوج الهرِم، وانكار الزوج الهرِم للعِشرة الحسنة التي امتدت بينه وزوجته التي استقام على أكتافها أركان البيت، ثم انكار "وردة" لإحساسها الداخلي تجاه الرجل النرجسي الذي أرادها بعناد واصرار. وانتهاءً بخيانات متناسِلة بشتى ألوانها.
"بيت العنكبوت" الذي يبدو من الخارج متماسكا في نسق مذهل، يقوم على خيوط واهنة، فاشل في ذاتيته وتحقيق وجوديته. مختبئ خلف ستار لطالما تُدنيه الزوجة وتبذل جهدها في تلميع صورة هذا البيت الذي يتآكل في داخله حتى أصبح هذا التآكل جزءًا من معمار العلاقة كلها. شريفة التوبي تصور الزوج هنا كامتداد طبيعي لمنظومة ذكورية خارج حق المُساءلة المشروعة. حتى يصبح الفعل الأخلاقي المُنحرِف، اعتيادًا وممارسة طبيعية تتحول مع الزمن إلى حقٍ لا عيبَ. الكاتبة هنا لا تدين الشخصية، ولكنها تكشف البناء الهَشّ الذي أنتج هذه الشخصية والمجتمع الذي يُحصِّنه. وفي المقابل، تقف الزوجة كخيطٍ واهنٍ في هذه الشبكة الهشة. ترفض مواجهة الحقيقة حفاظًا على بيتها من الانهيار التام في ورطة نفسية حادة تفرض عليها الصبر لأن الانسحاب والمواجهة أكثر كلفةً ومرارةً من البقاء مُستتِرة بالواجهة اللامعة.
"بيت العنكبوت"، تخوض في الشخصية النرجسية التي تقوم على التمركز حول ذاتها وتؤمن بأن استنزاف الآخر عاطفيًا حقٌ مشروعٌ لها يمنحها مساحة مُتسعة للاحتفاظ بصورة اجتماعية متماسكة. الرجل هنا يُمارس هيمنة ناعمة مستخدمًا ذكاءه في تداول أدواره، فمرَّة يظهر بسلوك عاطفي ومُحب، ومرة ظالمًا ومُهمِلًا، وأخرى لا مبالٍ ومنشغل. هذا التذبذب يضع الزوجة موضع شك دائم لا خلاص منه. وقد تتحول إلى عبدٍ يتقلب في مزاجيات سيده.
أشارت شريفة التوبي تلميحًا عبر السرد الروائي إلى أن أكثر سمات الشخصية النرجسية خطورة هي قدرتها على تحويل الضحية إلى كائن يشعر بالتقصير المُستمر، حتى وهو ذاته من يتعرض للأذى. في "بيت العنكبوت"، شخصية الرجل النرجسي الممسوس بالبحث دائمًا وأبدًا عن إشباع صورته الداخلية، يستهلك الآخرين ليرى صورته المُتخيَّلة عن نفسه. وتبقى الزوجة عالقة في قالب كائن مُستنزَف نفسيًا. ترغب في النجاة وتخاف في الوقت نفسه من خسارة البيت والأسرة.
اللافت في الأمر أنَّ المجتمع يمنح الرجل هامشًا واسعًا للتبرير، بينما يدفع المرأة إلى ممارسة الصبر لأنَّه فضيلة أخلاقية. أما عن شريفة التوبي الروائية، فقد وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية في العام 2026 عبر روايتها "هبوب الريح" وهي جزء من ثلاثيتها "البيرق".
كاتبة وروائية
