محمد بن رامس الرواس
الدول التي تتبنى السياسات المتجددة تبني مستقبلها على الاقتصاديات المستدامة في ظل نظام اللامركزية لتنمية مدنها وولاياتها وإقامة اقتصادياتها المحلية بناءً على مزاياها ومقوماتها الذاتية.
ومحافظة ظفار كواجهة سياحية موسمية ضمن منظومة الاقتصاد المستدام عالي القيمة حان أن تنتقل من اعتمادها على موسم واحد إلى عدة مواسم وعدة استحقاقات متجددة فهناك موسم الصرب الجميل بعد الخريف ثم موسم الشتاء موسم المأكولات البحرية النادرة التي تأتي من المحيط الهندي العظيم، واليوم توجهات السلطنة الاستراتيجية المتجددة تتجه بلا شك نحو صناعة نماذج لمحافظات يستفاد من مكوناتها المتعددة.
في محافظة ظفار من المفترض أن ننتقل إلى مراحل ما بعد الخريف واستغلال التفرد الجغرافي للمحافظة، ولو فكرنا في عملية الانتقال فسنجد أن فوائدها أعظم لرفد ميزانية الدولة وانتعاش الاقتصاد المجتمعي، خاصةً بعد الاستقرار المالي الذي تشهده السلطنة والمكانة الجيوسياسية المرموقة التي تحظى بها مع التركيز على المحتوى المحلي سواء سياحيا أو استثماريا أو زراعيا أو عقاريا ففي المحافظة تكامل متفرد في كافة المجالات تقريباً بدءا بمصانع الأسماك إلى الاستثمار السياحي إلى الصناعات المحلية إلى البيئة الخصبة إلى التفرد المناخي، شواطئ وسهول وجبال ومنطقة نجدية لا تضاهى.
لا شك أن مجلس الوزراء يبحث كيفية تحويل محافظة ظفار من مجرد مصيف موسمي إلى موقع إقليمي للسياحة الدولية؛ فهناك سياحة المؤتمرات وسياحة الاستشفاء، والتطوير العقاري النوعي الذي يخدم المستثمر العُماني والخليجي والعالمي، فالأزمات العالمية والمتغيرات المتسارعة، ودروسها المستقبلية، تقرع جرس إنذار مفاده أن الأمن الترفيهي والنفسي والاستثماري لا يقل أهمية عن بقية مرتكزات الاستقرار؛ فلا مجال الآن للاعتماد على نماذج سياحية تقليدية لا تصمد أمام التحولات، وعليه فإن محافظة ظفار وولاياتها ومدنها الساحلية والجبلية والصحراوية بالنجد وبطقسها الاستثنائي، وتراثها التليد، وإنسانها المضياف، نقطة جذب فريدة وملاذ آمن للاستثمارات في العديد من المجالات لأنها بيئة مستقرة وآمنة وفريدة ومتعددة المناخ والطقس فهي أقرب للبيئات الاستوائية.
والمؤسسات الدولية اليوم بدأت تتحدث عن أن جودة الحياة والاستقرار العقاري هما عماد الاقتصاد الحديث، ومن هنا تظهر الأهمية الاستراتيجية لمدينة صلالة وعموم محافظة ظفار في ظل ما تتمتع به من تباين بيئي مذهل بين الشواطئ المفتوحة، والجبال الخضراء، والسهول الفسيحة وصولًا إلى بوابات الربع الخالي الساحرة، هذا بجانب ما تحققه من حضور واعد بجهود أبنائها والمستثمرين فيها، وكذلك في ظل ما تتمتع به المحافظة من بنية لوجستية متطورة كميناء صلالة ومطارها الدولي المتميز ومنطقتها الحرة، لذلك لم يعد منطق "السياحة الموسمية الواحد وحده كافيًا، إذا لم يقترن بمنطق التطوير السياحي والعقاري وحتى الصناعي المستدام.
من خلال ما سبق، لا شك أن ما سيتم التركيز عليه في الفترة القريبة هو تحويل محافظة ظفار إلى مركز سياحي دولي وإلى قاعدة للمشاريع العقارية المتكاملة للاستفادة من الوضعية المالية المواتية للسلطنة، فليس من المصلحة الوطنية عدم الانتقال إلى هذا التحول، والاكتفاء بالمقومات الطبيعية الخام دون تحويلها إلى مجموعة صناعات سياحية وترفيهية وعقارية يمكن أن يكون من أبرزها؛ المنتجعات البيئية ومصحات الاستشفاء الطبيعي المستندة على أجواء المحافظة ونباتاتها العطرية النادرة عالميًا، بجانب إنشاء المدن السكنية السياحية المتكاملة التي تمنح حق التملك الحر وتجذب رؤوس الأموال الخليجية والعالمية، ومراكز سياحة المؤتمرات والمعارض الدولية استغلالًا للطقس المعتدل عندما تلتهب درجات الحرارة إقليميًا، بالإضافة إلى مشاريع إحياء التراث العريق وتحويل المواقع الأثرية إلى تجارب سياحية حية وثقافية عالمية، في ظل وجود مدن ترفيهية مغلقة ومفتوحة، وتطوير سياحة المغامرات والرياضات البحرية.
ولن تكون هناك إشكالية في السيولة المالية؛ فما يحققه جهاز الاستثمار العُماني من إيرادات تاريخية ووفرة مالية حسب ما أعلن عنه يمكن أن يوجِّه استثمارات داخلية في إقامة وتطوير البنية التحتية الفوقية والأساسية لتحويل محافظة ظفار إلى منتجع سياحي وعقارية عملاق بالسلطنة، مما سينعكس بلا شك على تحسين مستويات المعيشة الاجتماعية وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
إنَّ محافظة ظفار عندما يتم ربطها بمنظومة الرفاه سيكون المواطن العُماني والخليجي على حدًا سواء أكثر طمأنينةً وشغفًا بالاستثمار فيها لإمكانياتها الطبيعية والجيوستراتيجية، وبفضل طبيعة سلطنتنا السلمية واستقرارها السياسي والاجتماعي، وسنجد أن المستثمر الخليجي والعربي سيرحب بهذه الخطوات ويدعمها؛ حيث أصبحت الجغرافيا العُمانية، وثقافة الإنسان العُماني المضياف، عُمقًا استراتيجيًا ونفسيًا وثقافيًا للأشقاء في الخليج والوطن العربي والعالم أجمع.
ختامًا.. أقول إن في كل محافظة من محافظات سلطنتنا الحبيبة هناك من الإمكانيات والفرص ما يجعلها تؤسِّس اقتصاديات مستدامة ومتنوعة، ومحافظة ظفار بما تملكه من طبيعة خلابة، وتراث تليد، وإنسان مضياف، وفرص استثمارية واعدة، توفر النموذج المتكامل للاستغلال الأمثل وتصنع الفارق من خلال اللامركزية الذي هو الكفيل بتمكين التحول الاستراتيجي بنجاحٍ واقتدارٍ.
