عمر الكندي
على مرّ العصور، ظلّت البشرية تبحث عن القادة القادرين على حمل مسؤوليتهم وحماية استقرارهم. فمنذ أن عرف الإنسان معنى السلطة، أدرك أن إدارة الأمم ليست مجرد ممارسة للنفوذ أو امتلاكٍ للقوة، بل مسؤولية تتطلب حكمة واتزانًا وبُعد نظر. ولهذا لم تكن مكانة القادة تُقاس بما يثيرونه من ضجيج، بل بما يتركونه من أثر، وبقدرتهم على صون هيبة أوطانهم وحماية مصالح شعوبهم.
ولأن الدول تُعرف غالبًا من خلال من يمثلها، ارتبطت هيبتها برصانة خطابها وحكمة قياداتها. فالكلمات الصادرة من مواقع القرار ليست مجرد عبارات عابرة، بل رسائل قد تبني جسورًا من الثقة بين الأمم أو تقوضها. ومن هنا يبرز التساؤل حول طبيعة الخطاب السياسي الذي يشهده العالم اليوم، في وقت يبدو فيه الاستعراض أكثر حضورًا من الحكمة في بعض مراكز القرار.
ولعل التصريحات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سلطنة عُمان تمثل مثالًا واضحًا على هذا التراجع؛ فالقضية لا تتعلق بمجرد تصريح عابر، بل بطريقة تفكير تعكس قدرًا من الاستخفاف بأعراف العمل السياسي والدبلوماسي؛ فعندما يُتناول تاريخ دولة ذات سيادة ومكانة راسخة منذ القدم بلغة تفتقر إلى الاحترام، فإن ذلك لا ينتقص من تلك الدولة بقدر ما يكشف عن محدودية الرؤية لدى من يتبنى هذا الخطاب، فعُمان ليست دولة طارئة في المشهد السياسي أو الإقليمي حتى تُختزل في تعليق عابر أو توصيف مُتسرِّع؛ بل هي كيان حضاري مُتجذِّر صنع حضوره عبر قرون طويلة من التفاعل الإنساني والتجاري والثقافي، ورسخ مكانته من خلال سياسات متزنة ونهج قائم على الاعتدال واحترام الآخرين. ومن هذا الأساس التاريخي اكتسبت عُمان ثقة إقليمية ودولية جعلتها شريكًا موثوقًا وصوتًا يحظى بالاحترام في مختلف القضايا، وهو ما انعكس أيضًا في دورها الدبلوماسي القائم على بناء الجسور وتخفيف التوترات.
لقد أثبتت الدبلوماسية العُمانية، على مدى عقود، أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالصخب ولا بالمواقف الانفعالية، بل بالثبات والمصداقية والقدرة على إدارة التوازنات المعقدة بحكمة. ولهذا كانت عُمان حاضرة في كثير من الملفات بوصفها مساحة للحوار والتقارب، وهو دور لم تصنعه الشعارات، بل صنعته الممارسة السياسية الرصينة والالتزام بمبادئ ثابتة.
وما يثير القلق في مثل هذه التصريحات ليس أثرها على عُمان، فمكانة الدول الراسخة لا تهتز بسهولة، بل ما تعكسه من تراجع في مستوى الخطاب السياسي العالمي؛ فالعالم اليوم أحوج ما يكون إلى قيادات تدرك أن الكلمات قد تبني كما قد تهدم، وأن المسؤولية السياسية تقتضي احترام الشعوب والدول مهما اختلفت المصالح أو المواقف.
في النهاية، تبقى التصريحات العابرة رهينة لحظتها، بينما يبقى التاريخ شاهدًا على قيمة الأمم ومكانتها الحقيقية. فالأوطان لا تُقاس بارتفاع الأصوات حولها، بل بعمق جذورها، وثقل تاريخها، وحكمة حضورها عبر الزمن. ولهذا ستبقى عُمان ثابتة في مكانتها، تمضي بثقة نحو المستقبل، مستندة إلى إرثٍ حضاري عريق، وإلى نهجٍ أثبت قدرته على البقاء والتأثير... لأنها ببساطة، إرثٌ لا يُمَس.
