عقوبات وجزاءات بحق من تُسوِّل له نفسه الاعتداء على الملكية العقارية للغير

قانون السجل العقاري.. ركيزة تشريعية نوعية تُشجِّع على الاستثمار وتواكب التطورات التقنية

 

◄ الفليتي لـ"الرؤية": القانون يدعم اللامركزية وينسجم مع مُستهدفات رؤية "عُمان 2040"

◄ "السجل العقاري المبدئي" شق تشريعي مُستحدث في القانون الجديد

◄ إلزامية تسجيل الوحدة العقارية شرط لتحقيق العلانية والإشهار

◄ طلبات التسجيل تتم عبر "أمانة السجل العقاري" مع اشتراط "مخططات مساحية هندسية دقيقة"

◄ اشتراط تعيين مساعد قضائي لذوي الإعاقة يضمن حقوقهم في التصرفات

◄ عناصر حماية متعددة لمالك العقار تتضمن إخطاره بكل تغيير في حقوقه

◄ سند الملكية الصادر من "أمانة السجل" الدليل الوحيد على إثبات الملكية العقارية

◄ صحة البيانات وموثوقيتها شرط أساسي لإتمام إجراءات التسجيل العقاري

◄ يجوز دحض صحة البيانات إذا انطوت على غش أو تزوير أو عمل غير قانوني

 

 

الرؤية- سارة العبرية

أكد الدكتور سالم بن سلام الفليتي المحامي والمستشار القانوني أن قانون السجل العقاري الجديد يُشجع على الاستثمار، ويعمل على توفير الضمانات والتسهيلات اللازمة له، مشيرًا إلى أنَّ السياسة التشريعية العُمانية تتسم بالانضباط التخطيطي؛ حيث تقوم الأجهزة والجهات على اختلاف مسمياتها بإجراء الدراسات الفنية حول موضوع ما، ومن ثم تعكف الجهات المعنية، بالتنسيق مع الأجهزة التشريعية، على سن القوانين الناظمة، مع الأخذ في الاعتبار آراء المُخاطَبين بها.

وبيّن الفليتي- في حوار خاص مع "الرؤية"- أن المُشرِّع العُماني أظهر في القانون جُملة من الحوافز للمستثمر الأجنبي منها: عدم جواز نزع ملكية المشروع الاستثماري الأجنبي، وضمان حق المُستثمر في نقل ملكية مشروعه الاستثماري أو التنازل عنه أو تغيير ملكيته، وهذا كله يستهدف أن يُحقق الاستثمار الأجنبي النسبة المأمول منه أن يحققها في 2040 وهي نسبة (10%) من الناتج المحلي، انسجامًا مع أحد أبرز مُستهدفات رؤية "عُمان 2040". وذكر أن التشريعات العقارية، سواء قانون التنظيم العقاري الجديد، أو اللوائح الناظمة له، تُمثِّل أدوات فاعلة لترقية منظومة الاستثمار، فضلًا عن كونها نقلة نوعية تُشجِّع المستثمر الأجنبي على الاستثمار في العقارات وتملّكه لها؛ بما يتفق والقوانين الناظمة في هذا الشأن.

 

تحديثات قانونية

وقال الفليتي إنَّ المُشرِّع العُماني واكب توجُّه المشرعين الآخرين في سن قانون جديد يُنظِّم تسجيل وتوثيق المُحرَّرات والتصرفات القانونية التي ترِد على العقار أو الوحدة العقارية وكل ما يطرأ عليها من تغيرات، في فلسفة حديثة تُجسِّد متطلبات واقع الحال الآنية والمستقبلية، ويتخذ من العقار ذاته أساسًا للقيد في السجل العقاري. تفسير ذلك أنه بينما تكفي الحياة في المنقول سندًا للملكية في حين أن العقار تستعصى فيه الحيازة المادية البحتة؛ لذا لا بُد من وجود وسيلة أخرى -غير الحيازة- تكفل للجميع العلم بما لهذا العقار من حقوق والتزامات".

وأشار الفليتي إلى أن القانون سلك 3 مسارات؛ الأول: الإبقاء على بعض النصوص والأحكام التي كانت موجودة في القانون المُلغى، مثل نص المادة (11) من القانون الجديد والتي تقول "يجوز التسجيل باسم البعثات الدبلوماسية للدول بغرض اتخاذها مقرًا لها، أو دورًا للسكنى شريطة المُعاملة بالمثل" تقابلها المادة (21) من القانون المُلغى، لافتًا إلى أنَّ الحكمة من إبقاء هذا النص وغيره، أنها تُمثل أحكامًا موضوعية عامة يجب أن تكون حاضرة حتى ولو تمَّ تعديل القانون أو تحديثه.

د. سالم بن سلام الفليتي.jpg
 

انضباط تخطيطي

وأوضح الفليتي أنَّ القانون الجديد قام بترقية بعض النصوص التي كانت حاضرة في القانون القديم بما ينسجم ومتطلبات المرحلة الحالية وتحقق الانضباط التخطيطي للعقار ذاته، ومثال ذلك، المادة (12) من قانون السجل العقاري الجديد، والتي تجيز التسجيل والشهر في السجل العقاري لغير العُمانيين أو الأشخاص الاعتبارية طالما توافق الأمر مع القوانين المُنظِّمة لذلك، وبالأخص قانون التنظيم العقاري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (79) لسنة 2025، وتقابلها المادة (32) من القانون المُلغى؛ حيث إن المُشرِّع في القانون النافذ كان أكثر ديناميكية وأكثر سخاءً، وأكثر توافقًا ومتطلبات المرحلة المقبلة.

وتابع الفليتي بالقول: "إن المشرع العُماني استحدث في القانون الجديد العديد من النصوص التي لم تكن موجودة في القانون المُلغى؛ حيث إنه يضفي بُعدًا آخر -بما يقطع التأويل والتفسير على الفقه- من خلال تخصيصه المادة (1) منه بمسمى تعريفات وأحكام عامة وبلغة قانونية منضبطة، بينما القانون المُلغى، اقتصر فقط على بيان الأحكام العامة دون التعريفات. وذكر من بين هذه التعريفات: السجل العقاري وهو "مجموعة من الصحائف العقارية والمحررات والوثائق الورقية والإلكترونية التي تبين أصناف العقار أو الوحدة العقارية..."، وكذلك الصحيفة العقارية وهي "صحيفة ورقية أو إلكترونية خاصة بكل عقار أو وحدة عقارية"، حسب نص القانون.

وذكر الفليتي أن قانون السجل العقاري يستحدث مسمى جديدًا لم يكن حاضرًا في القانون المُلغى وهو "السجل العقاري المبدئي" وهو مجموعة الصحف العقارية والمحررات والمستندات والوثائق الورقية أو الإلكترونية المكملة لها التي تثبت بصفة مبدئية ملكية الوحدة العقارية في مشروع البيع على الخريطة..." وهو أمر ينسجم مع البند (12) من المادة (1) من قانون التنظيم العقاري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (79) لسنة 2025م، والمعنونة "تعريفات وأحكام عامة".

حفظ حقوق المتعاملين

وأردف الفليتي بالقول إن القانون يُظهر نوعًا آخر من الصحف العقارية، وهي "الصحف الإلكترونية" الخاصة بكل عقار، موضحًا أنه يمنحها القوة القانونية التي تتمتع بها الصحيفة الورقية، وهو منهج متطور الهدف منه، السرعة ومواكبة متطلبات الحياة الإلكترونية من جانب، وحماية الصحيفة ذاتها من التلف أو الهلاك بسبب العوامل غير المواتية.

وأضاف أن القانون يُضفي بُعدًا آخر يجسد مفهوم اللامركزية في الإدارة من خلال منح وزير الإسكان والتخطيط العمراني الترخيص للجهات الحكومية والخاصة بتوثيق المحررات والتصرفات القانونية المتعلقة بالعقار أو الوحدة العقارية وفقًا للشروط التي ستبينها اللائحة.

وأكد الفليتي أن قانون السجل العقاري له العديد من التحوطات القانونية تتجانس وواقع الحال منها، أنه في المادة (16) يشترط لتسجيل التصرف في العقار أو الوحدة العقارية التي تكون قد آلت للقاصر عن طريق التبرع أو الهبة، عدم وجود شرط مانع من التصرف من قبل الواهب أو المُتبرِّع، إلّا إذا قضت المحكمة المختصة بغير ذلك. وأوضح أن المادة (17) أكدت هذا الأمر بقولها: "يشترط لتسجيل الوقف أن يكون للعقار أو الوحدة العقارية محل الوقف سند ملكية". وتابع أن المادة (18) سارت على النهج ذاته؛ فاشترطت لتسجيل التصرف على العقار أو الوحدة العقارية إذا كانت مقدمة من الوكيل أن تكون الوكالة محددة وصريحة سواء أكان بيعًا أو رهنًا أو هبة أو قسمة، مؤكدًا أن هذه التحوطات تمثل حماية للكافة وخاصة حسن النية منهم.

ضوابط قانونية

وتحدث الدكتور سالم الفليتي عن الصفة الإلزامية في تسجيل العقار أو الوحدة العقارية بدلالة المادة (10) من القانون؛ حيث يوجب أن يسجل أي مالك للعقار أو الوحدة العقارية في السجل العقاري وبدون هذا التسجيل لا تتحقق العلانية والإشهار بدلالة المادة (4) من القانون ذاته "تتحقق العلانية لجميع الحقوق العينية العقارية بمجرد تسجيلها في السجل العقاري، وعندها تكون لهذه الحقوق والتصرفات الواردة على العقار أو الوحدة العقارية حجته على الكافة". وقال إن المادة (12) من القانون تُكمِل ضوابط التسجيل؛ فتُوجِب أن يثبت في السجل العقاري أي حجز أو منع من التصرف في العقار أو الوحدة العقارية بناءً على حكم قضائي نهائي أو قرار وفقًا للقوانين والأنظمة في هذا الشأن.

وتابع حديثه: "يوجب القانون تسجيل الوصية متى كانت تشتمل على حق عيني أصلي كان أو تبعي بعد تقديم -من الجهة المختصة- ما يفيد ذلك، والأمر متطابق تمامًا في الإرث وذلك بدلالة المادة (14) من القانون، كما يجب أن يسجل في السجل العقاري التخارج بين الورثة وعندها يعامل معاملة القسمة في التسجيل إلا إذا قضت المحكمة المختصة خلاف، وذلك تجسيدًا للمادة (15) من القانون".

وأضاف أن المشرع في القانون الجديد يُظهِر عددًا من الضوابط فيما يتعلق بجهة تسجيل الوقف؛ فيشترط أن يكون للعقار أو الوحدة العقارية -محل الوقف- سند الملكية بدلالة المادة (17) من القانون ذاته. ولم يكتفِ المشرع في بيان هذه الضوابط الحمائية على الملكية العقارية؛ بل فوق ذلك بيَّن ابتداءً من المادة (23) وحتى المادة (30) وتحديدًا في الفصل الثالث من القانون المعنون "إجراءات التسجيل"؛ حيث أوجب أن تُقدَّم طلبات التسجيل إلى أمانة السجل العقاري، وأن يكون التسجيل عبارة عن مخططات مساحية هندسية دقيقة. وأوضح أنه يجب على المُحرَّر المُراد تسجيله- متى كان أحد عاقديه أصمًا أو أبكم أو أعمى، أو أصم، أو أعمى أبكم أو مصابًا بأي عاهة، أو مرض يتعذر معه التعبير عن إرادته- أن تتولى المحكمة تعيين مساعد قضائي له لإجراء التصرف (مانع من موانع الأهلية) بدلالة المادة (26) من القانون وزيادة على هذه الحماية للملكية العقارية بمنح القانون الجديد إجراء أية تعديلات أو تغيرات في البيانات التي سبق وتم تسجيلها عن العقار في السجل العقاري، إلّا بمقتضى مستندات موثقة وصادرة ممن يملك التصرف فيها وفي الحقوق الناشئة عنها أو بمقتضى حكم قضائي نهائي صادر من محكمة مختصة.

وذكر الفليتي أن المادة (28) تُضفي من القانون ذاته حمائية أخرى لمالك العقار أو الوحدة العقارية بوجوب إخطاره عن كل تغيير في حقوقه أو زوالها أو محوها أو التأشير عليها متى كانت لهذه التغيرات أو التعديلات لها أثر على بياناتها الواردة في السجل العقاري.

وأما عن الأثر الذي يترتب على عدم تسجيل العقار أو الوحدة العقارية، قال الفليتي إن هذا الجانب أطَّرته المادتان (5) و(35) من القانون ذاته؛ حيث إنه متى تم تسجيل العقار أو الوحدة العقارية في السجل العقاري وقُيِّدت فيه جميع الحقوق والتصرفات الواردة عليه، تكون هذه الحقوق والتصرفات حُجة على الكافة، وخلاف ذلك لا يُقبل في إثبات ملكية العقار أو الوحدة العقارية أي سند آخر، بمعنى آخر لا يجوز إثبات ملكية العقار أو الوحدة العقارية إلا بسند الملكية الصادر من أمانة السجل العقاري، والأمر ذاته فيما يتعلق بالحقوق الملازمة لهذا العقار أو الوحدة العقارية.

وأكد الفليتي أن المُشرِّع العُماني شدد كثيرًا على صحة البيانات التي تُقدَّم إلى المُسجّل في السجل العقاري؛ سواء من حيث البيانات التي تقدم ابتداءً عند تسجيل العقار لأول مرة، أو التغيرات أو التعديلات التي تطرأ على بيانات العقار أو الوحدة العقارية فيما بعد.

وبيّن أن المشرع حرص على أن تكون تلك البيانات صحيحة وصادرة وموثقة من جهات ذات اختصاص، وأفرَدَ لإجراءات التسجيل فصلًا خاصًا، وذلك كون تلك البيانات متى ما تمت وقُيِّدَت في السجل العقاري تكون لها حُجية على الكافة، مع ملاحظة أن هذه الحُجة ليست مُطلقة وإنما يجوز دحضها متى كان قرار القيد في السجل العقاري منطويًا على غشٍ أو تزوير أو مبني على عمل غير قانوني، بدليل المادة (10) من القانون ذاته التي تقول "يجب أن يسجل لدى أمانة السجل العقاري جميع التصرفات المنشئة أو المقررة أو الناقلة للحقوق العينية .... أو التي من شأنها زوال أي حق من هذه الحقوق بما فيها الأحكام القضائية النهائية".

الجزاءات والعقوبات

وأوضح المحامي سالم الفليتي أن القانون الجديد يبرز جملة من الجزاءات والعقوبات حال مخالفة أحكام هذا القانون، وذلك أنه أفرد لهذه العقوبات فصلًا خاصًا هو الفصل الخامس المعنون "العقوبات" في المواد من (37) وإلى المادة (40) منه، مُبينًا أنه في مجموع تلك العقوبات توازنًا ملحوظًا بين رغبته في حث جميع الملاك تسجيل عقاراتهم ووحداتهم السكنية بما يضمن حمايتها وعدم التعدي عليها من قبل الغير، وبين حماية الغير أنفسهم عندما يتعهد بتعمد من يظهر مظهرًا صوريًا على أنه مالك للعقار أو الوحدة العقارية بتقديم بيانات كاذبة فيصور الأمر على غير حقيقته فيحصد جزاء ما سوّلت له نفسه. واستند في ذلك أن المشرع في القانون الجديد لم يدرج جملة اعتراضية في تلك العقوبات "مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد"، كما كان مقررًا في المادة (59) من القانون المُلغى.

ويرى الفليتي أن العقوبات -مهما غُلِّظَت وتعددت- لا يمكنها القضاء على الجريمة بتاتًا، ولكنها تُقلِّل منها، مشيرًا إلى أنه في الوقت الحالي العقوبات المدرجة في القانون الجديد كافية وتتعاطى مع موجبات الحياة العقارية وفي صورة حسنة، وتُلبي واقع الحال، خاصةً إذا ما علمنا أن المُشرِّع العُماني وإن كان ينص على أن تلك البيانات والحقوق المُنشِئة عنها حُجة على الكافة إلّا أنها ليست حُجة مُطلقة متى انطوت على تزوير ونحوه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z