صفحات مضيئة من تراث أسرة البوسعيد

قصيدة "فاسلم ودم يا أبا قابوس" للشيخ هاشم بن عيسى الطائي

 

القصيدة تهنئة صادقة من الشيخ هاشم الطائي إلى السلطان سعيد بن تيمور بمناسبة مولد نجله قابوس

 

ناصر أبوعون

 

هذه القصيدة كتبها الشاعر القاضي هاشم بن عيسى الطائي في بداية العقد الثالث من القرن العشرين مُهنئًا فيها السلطان سعيد بن تيمور سلطان عُمان- رحمه الله- بمناسبة ميلاد ابنه (السلطان قابوس طيَّب الله ثراه)، وسعيًا لفهم دافعية الشاعر والإلمام بالجو النفسي، والتفاعل مع البيان الحركي والبلاغي في القصيدة سنتوسّل بالمنهج الكلاسيكي، كأداة تتمتع بقدر عالٍ نسبيًّا من الموضوعية في قراءة هذا الشكل الشعريّ القديم؛ ويرجع ذلك لكون وسائله المستمدة من تراثنا العربيّ القديم، يمكن توظيفها في تشريح بِنيّة القصيدة العربية القديمة، التي تجمع بين الالتزام بالشكل التقليديّ والوظيفة الاجتماعية، والإبانة عن مدى نجاح الشاعر في توظيف اللغة الواضحة، والصور المألوفة، والإيقاع المنتظم، والكشف عن براعته في تقديم نسق شعريّ يعمل كمرآة تعكس روح المناسبة الوطنية وتؤكد على منظومة القيم التقليدية للفخر والنسب والسلطة في شعرنا العربيّ.

سيرة الشيخ هاشم الطائي

هناك في "سمائل الفيحاء" النائمة في حضن سلسلة جبال الحجر الشاهقة، وفي واديها نبت عود الشيخ القاضي هاشم بن عيسى بن صالح بن عامر الطائيّ (الطيوانيّ)؛ في شجرة سلالته العريقة صهرا ونسبا، وأورقت فروعه علما وحكمةً في حجر جده لأمه العلامة القاضي الزاهد سعيد بن ناصر بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد الكندي، وتردد صدى مسائله العلمية، ومطارحته الشعرية ورسائله النثرية على سلالم جنان الجبل الأخضر؛ فنشأ نقيّ الجيب، طاهر الصدر، يَألف ويُؤلف، لا يزدهيه الإطراء، ولا يستخفه الثناء، جمع أكناف الرحمة في صدر سما على الضغائن، غسلته أفلاج الفيحاء الرقراقة من كل لجاجة، وطهرته مجالس العلماء من أدران المكابرة، ووطنّت نفسَه- على الرضا- البِطانةُ الصالحةُ من أهله ومريديه.

الشيخ القاضي هاشم الطائي مع القضاة والأعيان.png
 

وجرت مشيئة الله فقضت بأن يُورّث "الشيخ القاضي عيسى بن صالح بن عامر الطائيّ (الطيوانيّ)" ابنه (هاشمًا) علوم الفقه والقضاء وفنون الأدب؛ شعره ونثره؛ فصار علما من أعلامم زمانه، وجلس موضوع أبيه في (سبلة الفوق) في القلب من (سيبا المال)، وكانت في هذا الزمان بمثابة مدرسة علمية وفقهية، وحلقة درسٍ يومية؛ لا تنفض مجالسها، ولا تخبو أضواء معارفها، ولا تنقطع أحاديث أعلامها، ولا تجف أمواه فقهائها تحت ظل شجرة (الشريشة) وارفة الظلال التي "تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ" من فنون العلوم والآداب بصحبة المشايخ الأجلاء (إبراهيم بن سعيد العبري المفتي الأول في عُمان، و"سماحة الشيخ حمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، والشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشيّ، والشيخ سعيد بن حمد الحارثي، والشيخ القاضي إبراهيم بن سيف الكندي.. وآخرون). ومما حكاه "السيد سعيد بن هلال بن محمد البوسعيدي" أنّ "سبلة الفوق" للشيخ هاشم وعائلته في (سيبا المال) بقرية (بوشر) كانت مركز ضيافة ومدرسة في آنٍ واحد؛ عامرة بالضيوف، وتُقرأ فيها كتب الفقه وأصوله، مع العلوم النافعة والآداب والفوائد وطرائف الحكم وغرائبها المستطرفة.

فلمّا استوى على سوقه جلس إلى الشيخ حمدان بن يوسف اليوسفي، وعَبَّ من معينه ما وسعه الفؤاد النابه، ثم جلس إلى الشيخ حمد بن عبيد السليمي؛ فارتوى من مصاصة فكره، وذاق عصارة علمه، وتردد إلى خيمة الشيخ سعيد بن ناصر فحفظ عنه الأصول، فلمّا انتهى واستوى أسندوا إليه كرسيّ القضاء في عدد من الولايات، وذاع صيته، واتسعت خبرته، وعلا شأنه، ومكث غير بعيد، ثم ارتأى السلطان قابوس – طيّب الله ثراه- أن يوكل له مهمة الإعداد والتأهيل والتدريب بمعهد القضاء في (روي). وللشاعر آثار شعرية متناثرة في بطون الكتب وصدور معاصريه، واشتهر أغلب نظمه بقصائد تحث على طلب العلم، وبرع في فنون المديح، ومن قصائده المأثورة والشهيرة؛ مديحه للسلطان سعيد بن تيمور؛ والتي سنفيض فيها الشرح والتحليل:

قصيدة (فَاسْلَمْ وَدُمْ يَا أَبَا قَابُوْسَ)

[وَافَى السُّرُوْرُ وَكُلُّ الْهَمِّ قَدْ ذَهَبَا/ وَالْحَمْدُ للهِ أَنَّ الْحَمْدَ قَدْ وَجَبَا- وَأَشْرَقَ الْكَوْنُ بِالْبَدْرِ الَّذِي طَلَعَتْ/ أَنْوَارُهُ بِـ"ظَفَارِ" جَاءَ عَنْهُ نَبَا- أَنَّى أَزُفُّ التَّهَانِي وَالْبَشَائِرَ/ لِلْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ فَخْرِ السَّادَةِ النُّجَبَا- "سَعِيْدٌ" مَنْ سَعِدَتْ أَيَّامُهُ وَصَفَتْ/ أَوْقَاتُهُ فَعَلَا فَوْقَ الْعُلَا رُتَبَا - أَبْشِرْ بِمِيْلَادِ "قَابُوْسَ" وَطَلْعَتِهِ/ يَا ذَا الْجَلَالَةِ وَاشْكُرْ لِلَّذِي وَهَبَا- حَازَتْ ظَفَارِ جَمِيْعَ الْفَخْرِ وَابْتَهَجَتْ/ فِي يَوْمِ مِيْلَادِهِ وَاسْتَبْشَرَتْ طَرَبَا-  لَيْثٌ تَرَبَّعَ فِي مَهْدِ الْعُلَا فَغَدَا/ "قَابَوسُ" طَلْعَتِهِ يُبْدِيْ لَنَا عَجَبَا- مِنْ دَوْحَةِ الْمَجْدِ فَرْعٌ قَدْ نَشَا فَسَمَا/ قَدرًا وَبَدْرٌ عَلَاهُ طَاوَلَ الشُّهُبَا- مَلِكٌ وَنَجْلُ مَلِيْكٍ هَكَذَا أَبَدَا/ فَالْمَجْدُ هُمُ وَإِلَيْهِم عَنْهُمُ اِنْتَسَبَا- هُمُ الْمُلُوكُ الْكِرَامُ الْأَقْدَمُونَ هُمُ/ غَوْثُ الْأَنَامِ، هُمُ الْأَمْجَادُ وَالْخُطَبَا- "آلَ السَّعِيْدِ" لَكُمْ فَخْرٌ وَمَكْرُمَةٌ/ لَا زَالَ فَيْضُ نَدَاكُمُ يُخْجِلُ السُّحُبَا- سَعِدْتُم بـ"سَعِيْدٍ" سَيِّدٍ فَطِنٍ/ أَعْدَاهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبارِهِمْ رَهَبَا- كَذَلِكُمْ نَجْلُهُ "قَاُبوْسُ" مَنْ حَلَفَتْ/ بِأَنْ تَكُوْنَ الْعُلَا أُمًّا لَهُ وَأَبَا - فَاسْلَمْ وَدُمْ يَا أَبَا قَابُوْسَ فِي شَرَفٍ/ وَفِي فَخَارٍ لَنْصْرِ الدِّيْنِ مُحْتَسِبَا- إِنِّي أُهَنِّيْكَ وَالْإِسْلَامُ قَاطِبَةً/ بِذَا الْمَلِيْكِ الِّذِي فَاقَ الْوَرَى حَسَبَا- وَقَرَّ عَيْنًا بِذَا الْمَوْلُودِ سَيِّدُنَا/ كَفَاكُمُ الْخَالِقُ الْأَنْكَادَ وَالْعَطَبَا].

التحليل النقدي للقصيدة:

يمكننا القول إيجازًا إن تحليل قصيدة (فَاسْلَمْ وَدُمْ يَا أَبَا قَابُوْسَ) وِفْقَ منهج النقد الكلاسيكي يستوجب تمريرها على مسطرة تتكون من عشرة محاور، مع مراعاة السياق التاريخي والخصائص الفنية للشعر العربي التقليدي.

لماذا موسيقى بحر البسيط؟

اختار الشاعر القاضي الشيخ هاشم بن عيسى الطائي موسيقى بحر البسيط لقدرته على إشاعة قيم الجزالة والرصانة في نفوس المتلقين، واستيعابه غرضي المدح والفخر تحت مظلة واحدة، وطاقته الفذّة في الموائمة بين طول النَّفَس الشعريّ، واتساع قماشته الموسيقية في صورتيه (التام والمجزوء)، وبما يبديه من مرونة داخل إهاب تفاعيله المتنوّعة التي يتردد صداها على مسارات تكرار (مستفعلن/ فاعلن/مستفعلن فاعلن) فضلًا عن قدرته اللامحدودة في احتواء الانفعالات المحتدمة في أعماق النفس الإنسانية خاصةً إذا كان الشاعر لديه مهارة عالية في إحداث نوع من الاتساق والتناغم بين الوزن والقافية. ومما يلفت النظر في هذه القصيدة اختيار الشاعر قافية الباء المفتوحة (ـبَا) التي تتوافق، وعاطفة الفخر الجيّاشة المعبّرة عن كبرياء الممدوح وسلطته، وأصالة نسبه، ويسهم في ترسيخ نوتةً موسيقية حماسية تعبّر عن الطابع الاحتفاليّ يتردد صداها في روح المتلقي تستحضر على مسرح القصيدة بين صوت الشاعر/ السبرانو وجلال الترديد الجماعيّ/ الكورس في الخلفية.

1 الرئيسية.jpg
 

الإيقاع البلاغي الاحتفالي

فإذا ما حاولنا الدخول إلى طقس القصيدة، والتوحّد مع الجو النفسيّ، والانضواء تحت خيمة العاطفة التي نصبها الشاعر القاضي هاشم بن عيسى الطائي وجدنا أنفسنا تحت ظلال عاطفة من الفرح المضفور في الشعور المفعم بالفخر، وقد أبانت سلسلة الألفاظ المضومة في سلك واحد عن الطاقة المتجددة التي تخرج من مفردات (السرور، والبشرى، وأبشر، وابتهجت)، التي أضفت سحابة من التفاؤل هطلت على الجو العام للقصيدة، وتعاونت مع الموسيقي بشقيها (الداخلي والخارجي)، يساندها الإيقاع والصور الشعرية  في شحذ شعور المتلقين في هذا الزمان بطاقة من الفرح الممزوج بالشكر على عطاء الله وفضله بأن مَنَّ على أهل عُمان بميلاد وليّ عهد البلاد.

اللغة والأسلوب والصورة

في هذه القصيدة التي تعاون الخيال الجموح، والصور الشعرية التقليدية، والمفردات والتراكيب الأسلوبية في الإبانة عما يتمتع به الشاعر القاضي هاشم بن عيسى الطائيّ من قدرة فذّة على قرض الشعر، وتطويع الأسلوب في خدمة غرض المديح الشعريّ - الذي يُنسب له الفضل في الحفاظ على منجزات التراث العربي وتاريخ شعوبه على مرّ العصور- لقد نجح الشاعر هاشم الطائيّ - دونما نِفاق يقدح في شخصه كقاضٍ وعالمٍ أو مبالغة تخالف عقيدته الدينيّة الراسخة- في بناء قصيدة مدح على مثال القدماء من كبار شعراء العربية، حيث جاء المفردات- وإن كانت تنتمي للقاموس العربي الكلاسيكي- جزلة تنبذ التعقيد، والاستسهال في آنٍ واحد. ثم إنّ القصيدة طغى عليها الأسلوب الخبريّ الذي يتناسب مع غرض المدح والتقرير، مع حضور الأسلوب الإنشائيّ في تعبيرات مثل: (أبشرْ، فاسلمْ، ودُمْ) تسانده طاقة بلاغية عالية وصور إشراقية نذكر منها: بهاء الاستعارة في قوله: (أشرق الكون بالبدر) فيها صوّر ولي العهد السلطان قابوس بالبدر. وروعة التشبيه الضمنيّ في قوله: (ليث تربّع) تشبيه بالقوة والشجاعة، ثم استعمل الكناية على نطاق واسع وإن كان أجملها قوله: (دوحة المجد) كناية عن النسب الشريف الذي انحدر منه (آل سعيد البوسعيديون) سلاطين عُمان.

ثم جاء (الخيال) كلاسيكيًا بحتًا لا يغرق في التجديد، ولا يتقصّد الابتكار، ولكنه ظلّ تقليديًّا يستعير الصور الشعرية من مخزون التراث العربيّ بهدف إضفاء حيوية وتفاعلية على المعاني الإنسانية المجردة التي تحفل بها القصيدة، فضلا عن استمداد الصور الشعرية واجتزائها من الطبيعة العُمانيّة والبيئة العربية؛ فـ(البدر) رمز للكمال والجمال عند العرب، و(الليث) رمز للشجاعة والإقدام، و(دوحة المجد) رمزٌ لشجرة النسب السلطانية الشريفة. 

العنوان واتساقه مع السياق

وإذا كان السياق العام لقصيدة الشاعر هاشم بن عيسى الطائي يتسق مع مناسبة (ميلاد السلطان قابوس)، زمن حكم السلطان سعيد بن تيمور، وهذا السياق التاريخيّ يضعها في خانة شعر المناسبات السياسية ذات الطابع الاحتفالي؛ إلا أنّ العنوان: (فَاسْلَمْ وَدُمْ يَا أَبَا قَابُوْسَ) جاء متضمنًا لمعنى الدعاء المشمول بدوام العز والبقاء ويُوجَّه مباشرة إلى السلطان سعيد بن تيمور بصفته والد المولود قابوس ولي عهد البلاد. بل إنّ هذا الاتساق بين السياق والعنوان يؤكد أنّ القصيدة فيها تسلسل منطقي يؤشر إلى تحقق الوحدة العضوية والموضوعية داخل متن القصيدة بنسبة عالية؛ ففي البداية يمهد الشاعر بزوال الهموم وحلول السرور، ثم إعلان الحدث (ميلاد السلطان قابوس بن سعيد)، فمدح الأب (السلطان سعيد بن تيمور)، ثم استشراف مكانة الابن المستقبلية. هذا التدرج يعكس عقلانية في البناء، حيث كل فكرة تمهّد لما بعدها دون قفزات غير مبررة.

القصيدة.jpg
القصيدة.jpeg
السلطان سعيد بن تيمور في قصره بصلالة سنة 1940م.jpg
1 السلطان سعيد وطفله السلطان قابوس.jpg
 

الأكثر قراءة

z