حياكة الجروح.. حين يصبح الألم خيط النجاة

 

 

 

د. هبة العطار

الحياة ليست طريقًا مُمهَّدًا، ولا تجربة صافية خالية من العثرات، بل نسيج مُتشابك من أحداث وتفاصيل، يمُر فيها الإنسان بما لم يختره أحيانًا، وبما لم يكن مستعدًا له في أحيان أخرى، فنصطدم، وننكسر، ونحمل داخلنا جروحًا لا يراها أحد، لأن الألم جزء أصيل من الرحلة، لا استثناء فيها، ومن رحم هذه التجربة القاسية يبدأ السؤال الأهم، كيف نتعافى من الألم؟

للتعافي ثمن لا يدفع بالمال، بل يستقطع من عمق النفس ومن القلب نفسه، من صبره، من احتماله، ومن قدرته على أن يظل حيا رغم ما فيه من شروخ، من يظن أن الشفاء لحظة راحة مفاجئة لا يدرك أن الطريق إليه مفروش بوخزاتٍ صغيرة، متكررة، موجعة، لكنها ضرورية، علم النفس لا ينكر قسوة الألم، لكنه يضعه في موضع مختلف، ليس كعدو مطلق بل كإشارة وإنذار ورسالة تقول إن هناك شيئا في الداخل يحتاج إلى فهم لا إلى هروب، كالإبرة حين تخترق الجلد لتجمع أطراف الجرح لا تفعل ذلك بلطف بل بصدق قاس، صدق يخبرك أن الألم ليس عدوا دائما بل أحيانا هو الجسر الوحيد للنجاة، وفي نظريات معالجة الصدمات لا يبدأ الشفاء حين يختفي الألم بل حين نصغي إليه دون فزع، حين نكف عن مقاومته العمياء ونبدأ في تفكيكه، فالألم حين يقمع يتحول إلى عبء مزمن، وحين يفهم يصبح مادة أولية لإعادة البناء.

الإنسان لا يتألم فقط بسبب ما حدث، بل بسبب الطريقة التي يفسر بها ما حدث، في إطار العلاج المعرفي السلوكي، الأفكار ليست مجرد انعكاس للواقع بل هي صانعة لمعناه، ولهذا فإن جرحًا واحدًا قد يهدم إنسانًا ويصنع آخر، الفكرة التي تقول "أنا انكسرت إلى الأبد" تفتح باب العجز، بينما الفكرة التي تقول "أنا تألمت لكنني ما زلت قادرًا" تفتح باب التعافي، هنا يصبح وخز الإبرة ليس مجرد ألم؛ بل إعادة صياغة وإعادة تعريف لما جرى بحيث يتحول الحدث من نهاية إلى نقطة تحول.

إن خياطة الجروح ليست مجرد فعل خارجي؛ بل مواجهة داخلية عارية، أن تُعيد لمس ما كنت تهرب منه، وأن تنظر إلى ما حاولت نسيانه، وأن تعترف أن بعض الكسور لا تختفي؛ بل تتعايش معها، كل غرزة هي قرار، أن تستمر رغم الألم وأن لا تترك الجرح مفتوحًا لينزف أكثر وأن تختار الوجع المنظم على الفوضى المستمرة، وفي كل مرة تتحمل وخز الإبرة أنت لا تضعف؛ بل تعيد تشكيل نفسك من جديد، أكثر وعيًا وأكثر صلابة.

نحن غير متشابهين في التعامل مع الألم، فبعضنا يختار التجنُّب ويدفن مشاعره وينشغل ويهرب ويبتسم بوجه بارد، لكنه في الداخل يترك الجرح مفتوحا يتآكل في صمت. وهناك من يغرق في الألم ويكرر القصة ويعيد اجترارها حتى تصبح هويته مرتبطة بها فيعيش أسيرًا لها. وفي المقابل هناك نمط ثالث أكثر ندرة يواجه، لا ينكر ولا ينهار؛ بل يسمح لنفسه بالشعور، ثم يبدأ في الفهم والتحليل وإعادة ترتيب الداخل، هذا النمط لا يتجنب وخز الإبرة ولا يستسلم له؛ بل يستخدمه ليخيط جرحه بوعيه، لأن الذين يهربون من الألم يظلون أسرى له دون أن يدروا، ولأن الجرح غير المخيط لا يلتئم؛ بل يتسع في صمت.

وفي تأمُّل التجارب الإنسانية يظهر مفهوم الصمود النفسي، ذلك الذي لا يعني غياب الألم؛ بل القدرة على العبور خلاله دون أن يفقد الإنسان ذاته، الصمود لا يولد فجأة وإنما يتشكل عبر تجارب وعبر خسارات وعبر لحظات كُنَّا نظن أننا لن ننجو منها ثم نجونا! كل مرة نتحمل فيها وخز الإبرة نحن لا نلتئم فقط؛ بل نوسع قدرتنا على التحمل، ونصبح أكثر مرونة وأكثر فهما لتعقيد النفس وأكثر رحمة بأنفسنا وبالآخرين، كأن الألم رغم قسوته يعيد تشكيلنا بنسخة أعمق.

الجروح القديمة لا تختفي؛ بل تتخفى، تعود في مواقف جديدة وفي علاقات وفي ردود أفعال قد تبدو مبالغا فيها، لذلك فإن تجاهل الألم لا يلغيه؛ بل يؤجله ويجعله يعمل في الظل، المواجهة هنا ليست رفاهية؛ بل ضرورة، لأن ما لا نعيه يتحكم فينا وما نفهمه نفقده سلطته علينا، خياطة الجرح ليست فقط إغلاقًا له؛ بل فهما لخيوطه ولأسبابه ولتاريخه حتى لا ينفتح من جديد في كل مرة تلمسه الحياة.

التعافي ليس عودة لما كنا عليه وإنما تحولٌ لما صرنا إليه، هو عملية بطيئة غير مستقيمة مليئة بالتراجع بقدر ما فيها من تقدم، لكنه يظل الطريق الوحيد نحو سلام حقيقي، أما الذين يواجهون ويتحملون ويصبرون على وخز الإبر؛ فهُم وحدهم من يصلون إلى شفاء حقيقي لا يخلو من آثار لكنه صادق؛ فالتعافي ليس عودة لما كنت؛ بل ولادة لما أصبحت، نسخة تعرف أن الألم كان جزءًا من الطريق لا نهايته؛ فحياكة الجروح من دم القلب ليست ضعفًا، لكنها شجاعة نادرة، شجاعة أن تُعيد بناء نفسك بيديك وأن تمضي رغم كل شيء أخف وأعمق وأكثر حياة.

الأكثر قراءة

z