خالد بن حمد الرواحي
ليست المشكلة دائمًا في غياب الرقابة؛ بل في الصورة التي نرسمها لها. فبعض المؤسسات تُطمئن نفسها لأنها “تُدقِّق”، وتظن أن وجود التقارير كافٍ لسلامة المسار، وأن مراجعة الأرقام تعني أن كل شيء تحت السيطرة. غير أن ما يغيب عن الانتباه في كثير من الأحيان هو أن الرقابة، حين تُفهم بوصفها وظيفة واحدة، تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على الحماية؛ فالواقع أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في رقم، وأعمق من أن يُقاس بما يظهر في القوائم فقط.
فالتدقيق في جوهره ليس نشاطًا واحدًا يُؤدَّى بطريقة متكررة، بل منظومة تتعدد فيها الزوايا، وتتكامل فيها الأدوار. فهناك ما يُعنى بالامتثال، وما يتابع كفاءة التشغيل، وما يختبر سلامة الأنظمة، وما يلاحق الملاحظات بعد صدورها، وما يتدخل عند الاشتباه لاكتشاف ما لا يظهر في السياق العادي. وكل زاوية من هذه الزوايا لا تُغني عن الأخرى، بل تكشف جزءًا مختلفًا من الصورة. وحين يُهمَل أحد هذه الجوانب، لا يبدو الخلل واضحًا في البداية، لكنه يترك فراغًا يتسع مع الوقت، حتى يظهر أثره في موضع لم يكن في الحسبان.
ومع هذا الاتساع في مفهوم التدقيق، يحدث أحيانًا اختزال غير مقصود؛ حين تُختصر الرقابة في مراجعة مالية تُنجز في وقتها، وتُرفع تقاريرها بانتظام، فيُظن أن الصورة مكتملة. غير أن ما يقع خارج هذا الإطار قد لا يقل أهمية عمّا بداخله؛ فإجراءٌ غير فعّال، أو نظامٌ لا يُستخدم كما ينبغي، أو ملاحظة لم تُتابَع، قد تمرّ دون أن تترك أثرًا فوريًا، لكنها، مع مرور الوقت، تبني مسارًا مختلفًا عمّا يُفترض أن تكون عليه الأمور. وهنا لا يكون الخلل في غياب التدقيق، بل في ضيق زاويته.
لأن القرار لا يُبنى على ما نراه فقط، بل على ما نختار أن نراه. وحين تُقدَّم للإدارة صورة تبدو مكتملة، بينما هي في حقيقتها جزءٌ من المشهد، فإن بعض القرارات تُتخذ بثقة لا تعكس كامل الواقع. تبدو الأمور مستقرة، وتُقرأ المؤشرات بإيجابية، لكن خلف ذلك قد تتراجع كفاءة، أو تتباطأ معالجة، أو تتراكم ملاحظات لم تجد طريقها إلى الفعل. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخلل في القرار نفسه، بل في الصورة التي بُني عليها.
ولهذا، لا تُقاس فاعلية التدقيق بما يُكتشف فقط، بل بما يُفهم، ويُتابَع، ويُغيَّر بعد ذلك. فالتدقيق، حين يعمل بكامل أدواته، لا يكتفي بالإشارة إلى الخلل، بل يُسهم في تفسيره، ويقترح مسارات معالجته، ويتأكد من تحوّل ما كُتب في التقارير إلى ممارسة. وهنا تحديدًا يتجاوز دوره كونه أداة رقابية، ليصبح جزءًا من منظومة تحسين الأداء، وشريكًا في بناء القرار، لا مجرد جهة تُراجع ما حدث بعد وقوعه.
ولا يكمن التحدي في ممارسة التدقيق، بل في فهمه على حقيقته. فالمؤسسات لا تُحمى بكثرة ما تُراجع، بل بعمق ما ترى. وما يخرج عن نطاق الانتباه، يبقى خارج نطاق المعالجة. ولهذا، فإن التدقيق الحقيقي لا يبدأ من التقرير؛ بل من اتساع الزاوية التي ننظر بها إلى ما يحدث.
