صبحي حسن
جالسًا بالقرب من أمه التي أكلتها السنون، يصوّر معها المقطع الذي أسماه (وجه أمي.. وخارطة البلاد)، تحسبها جبلًا من العزيمة والشموخ والتحدي والإصرار. تكلّم عن قصتها عندما كانت حاملًا به... وأنا أسمع ثم أكتب مصدومًا مذهولًا مستعبرًا:
قال مخاطبًا والدته: أمّاه، أين تريدين الذهاب؟ قالت: بيت حانون. ثم علّق: رغم مرضها وفقدان الذاكرة، هذه أمي يا جماعة التي تاهت في شوارع غزة ثماني ساعات على أمل أن تصل إلى بيت حانون. الكل اعتقد أنها تائهة، لكن الحقيقة أنها كانت تبحث عن جذورها التي انتُزعت منها قبل الزهايمر، وقبل التعب، وقبل أن آتي أنا إلى الدنيا. حكاية أمي حكاية عجيبة غريبة.
في عام 1990م كانت حارتنا تغلي وتضج وتموج، فقد اجتاحها حثالة من بني صهيون يريدون طردنا من بيوتنا ومعهم أسلحتهم. خرجت والدتي من البيت لتنقذ نفسها قبل أن يداهموه، وكانت حاملًا بي في شهرها التاسع. عندما رآها بعض الحثالة من الجنود وبطنها منتفخ، أخذ حجرًا وليس بندقية ليقذف به بطنها ليقتل جنينها ويوجعها إلى الأبد. لم تهرب أمي ولم تخف، احتضنت بطنها بكل جسدها وشبكته بيديها، ثم جعلت وجهها أمامه كهدف، فصكها الجندي بالحجر بكل حقد وكراهية وبربرية، فكسر فكها وانخلع من شدة الضربة. تشوّه الوجه، لكن أمي لم تقع على الأرض، وثبتت وتلقت الضربة، وفدتني بوجهها وجمالها وصحتها حتى أخرج إلى الدنيا.
أمي هذه التي دفعت ثمن وجهها، دفعت في الواقع ثمن الأرض، وقدمت كل ما تملك في سبيل الله والوطن؛ فشل الوجع أن يُغيب اسم بيت حانون عن ذاكرتها. الوجع في أمي ليس تشوهًا، هو ختم لملكية هذه الأرض. هذا الفك الذي انكسر كان ينطق دائمًا باسم الله، ولم ينسَ يومًا طريق التحرير.
ثم أخذ يخاطبها وهي مشغولة عنه: ضعتِ منا ثماني ساعات، ولكنكِ رجعتِ تذكريننا أن الواحد يمكن أن ينسى اسمه وينسى وجعه، ولكن الفلسطيني مستحيل أن ينسى أين بيته. وجهك يا أمي هويتنا، والقدس بإذن الله ستكون وجهتنا، وتأكدي دائمًا أننا على درب الصامدين.
لطالما تساءلت: من أين يستمد الفلسطينيون قوتهم وشهامتهم وإصرارهم وعنادهم؟ أمّ تخاطر وتضحي بوجهها لتفدي جنينها... كيف فكرت بذلك في الوقت الصعب والوضع الصعب، لتضع الجنين نصب عينيها مقابل حسنها وجمالها وحياتها؟ فكها المكسور والدماء تنزف منها، كيف استطاعت أن تأكل وتغذي جنينها وتعاني المخاض... ثم الولادة... فتمخض عنها أبو أركان.
إذا كان هذا حال الأمهات من البطولات الاستثنائية التي قلّ مثيلها، فلا عجب أن الأبناء المولودين ينفرون ويفجرون طوفانًا كالأقصى... ذرية بعضها من بعض.
البطولة نتاج ثلاثة: الأم، والأسرة التي تقوم عليها، والجغرافيا، وخذلان الآخرين. أبو أركان وهو في بطن أمه كان يسمع كل ما كان يحصل لوالدته في تلك الحادثة المشؤومة، ولو كان بيده لخرج من بطنها وفداها وهو جنين!
امرأة في مكان ما، في ظرف ما، في موقف ما، وضعت بصمة لن تُمحى من ذاكرة فلسطين الثرية التي تحتاج إلى آلاف التيرابايت لتخزينها وإحصائها... مثلها ستُخلّد بإذن الله تعالى.
بقي القول إن عدد المواليد في قطاع غزة خلال الفترة الممتدة لعامين من الحرب منذ أكتوبر 2023 قد بلغ حوالي 60 ألف مولود، رغم الظروف القاسية الطاردة للإنجاب... تصوروا، هناك هدف! بلدان الغرب، وهي في أحلى حالاتها إن كانت حقًا، تعاني من الشيخوخة السكانية، تستعين بالمهاجرين لتصريف شؤون حياتهم، ثم تحاربهم وتضيق عليهم وتطردهم أذلاء منبوذين، وقد فصلوا أبناءهم عن أمهاتهم. هل عرفتم سبب استهداف المستشفيات والمراكز الصحية وقصفها عمدًا أثناء العدوان، سيّما الأطفال والأمهات؟
فالأم التي تهز المهد بيمينها... تهز العالم بشمالها.
هنيئًا لها... وللأمهات من أمثالها.
