د. غالية بنت عيسى الزبيدي **
الوجوه التي اصطفت على جانبي الطريق كانت تحفظ ملامحه قبل أن تراه. كان الأطفال يلوّحون بأيديهم الصغيرة، بصفاءٍ لا يشبه إلا بدايات الفجر وابتساماتهم ترتسم كأقواس فرح على سماء عُمان.
لم تكن ابتسامات بقدر ماهي رسائل حب تخرج من قلوب لم تتعلم بعد سوى النقاء. وكانت نظرة جلالة السلطان إليهم تحمل شيئًا من الأبوة والطمأنينة التي تنطق دون كلمات: أنتم الأمل والغد المشرق لعُمان.
أما النساء فقد وقفن بثبات الزمن، يرفعن أياديهن بالتحية والدعاء، كأنهن يحملن في أكفهن تاريخًا كاملاً من الولاء والانتماء. كانت تحياتهن مزيجًا من الامتنان والاعتزاز.
في تلك المشاهد لم يكن الحاكم ببعيد، بل كان قريبًا بمقامه السامي يخاطب أرواحهم النبيلة.
كان الإصغاء في عينيه يسبق الكلمات، وكانت ابتسامته تعكس فهمًا عميقًا لما لا يُقال. وهنا تتجلى العلاقة الحقيقية بين الحاكم والشعب؛ علاقة لا تقوم على السلطة، بل على المحبة، على ذلك الخيط غير المرئي من التواد الذي يربط القلوب دون أن يُرى.
كمشاهدين، شعرنا بأننا لسنا خارج الصورة، بل جزءٌ منها. كأن الكاميرا لم تكن تنقل الحدث فقط، بل تنقل إحساسًا عامًا، حالة وجدانية مُشتركة، توحدنا جميعًا في لحظة صفاء نادرة.
شعرنا بالفخر، ليس لأننا نرى مشهدًا جميلًا فحسب، بل لأننا نراه صادقًا، خاليًا من التصنع، مشبعًا بإنسانية تلامس الأعماق.
تلك الزيارة كانت درسًا في معنى الانتماء، في كيف يُمكن للوطن أن يكون علاقة حب متبادلة، لا تُفرض بل تُعاش وتُحس وتتجلى؛ ففي كل نظرة، وكل ابتسامة، وكل تحية، كان هناك وطنٌ كامل يرتقي، وطنٌ لا يُختصر في مقالٍ صغير، بل يُكتب بأوراق الحياة وحبر الزمن، وطن يكبر كلما اقترب الحاكم من شعبه، وكلما اقترب الشعب من جذور أرضه وردد: "تحيا عُمان".
** شاعرة وكاتبة
