الصين وحرب إيران.. عدم المساس بالثوابت والأهداف الكبرى

 

 

 

 

د. فاتن الدوسري

 

منذ الساعات الأولى للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وعلى طول امتدادها العنيف وحتى الآن حيث سريان الهدنة؛ وموقف الصين الثابت لم يتباين عن جميع مواقفها السابقة في الأزمات والصراعات الدولية لا سيما في صراعات المنطقة، حيث النبرة الدبلوماسية الداعية لاحترام القانون الدولي وسيادة الدول وإدانة الحرب والدعوة للحوار والحلول الدبلوماسية والحلول المشتركة. وهو ما خالف رهانات الكثيرين والتي بعضها قد تكهن بأن الصين ستتدخل عسكريا لدعم إيران؛ بحسبان أن إيران من أهم حلفاء الصين في العالم وليس المنطقة فقط في إطار معسكر الشرق ضد الغرب، وأيضا- ولعله الأهم- هو التضرر البالغ لإمدادات نفط إيران والمنطقة للصين؛ حيث تلبى المنطقة قرابة 45% من احتياجاتها للطاقة.

لا شك أن حرب إيران تشكل أكبر تحدى للصين في المنطقة منذ غزو العراق 2003، فهي تحدى كذلك لسياسته الرئيسية في المنطقة، بخلاف لمصلحتها الرئيسية النفط لا سيما وأن هناك من يؤكد وربما محقين أن هدف ترامب الرئيسي من حرب إيران هو الهيمنة على نفط إيران بعد نفط فنزويلا ليسيطر على نحو 60% من إنتاج النفط العالمي، مما يؤدى -ضمن جملة أهداف- إلى إضعاف الصين وإخضاعها في إطار الحرب الباردة على الهيمنة العالمية معها.

ومع ذلك، نجحت الصين في إعادة تأكيد مبادئها وثوابتها الرئيسية وفى المشهد الأوسع الثبات وضبط النفس في إطار مسيرة تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأكبر. تنتهج الصين عدة مبادئ في سياستها الخارجية تتمحور حول الرفض التام للحلول العسكرية، عدم التدخل العسكري إلا للدفاع عن مصالحها السيادية ضد عدوان عليها، الحياد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول مطلقًا، الاعتماد التام على النهج الدبلوماسي والوساطة والجهود الحميمية لحل الصراعات. وتلك المبادئ تنطبق في المنطقة بصورة حرفية، إلى جانب انتهاج سياسة التوازن الحذر، والترويج لنموذج التنمية الاقتصادية لحل وإدارة الصراعات، نظرًا لأهمية المنطقة الطاقوية وفى مبادرة الحزام والطريق، وحساسية العلاقات والصراعات في المنطقة.

من المفارقات الصادمة لرهانات دعم الصين المطلق لإيران في حربها، تكمن في أن الصين لم تبدُ داعمًا مطلقًا وحسب، بل أيضا سعت أيضا إلى عدم ترجيح كافة إيران في المطلق انطلاقا من سياسة التوازن الحذر؛ إذ رغم إدانتها للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران؛ باعتباره عدوانًا وانتهاكًا للسيادة بموجب القانون الدولي، قد أدانت بشدة كذلك هجمات إيران السافرة على دول مجلس التعاون. وكذلك، رغم إدانتها للحصار الأمريكي لمضيق هرمز، لكنها في نفس الوقت تمارس ضغوط شديدة على إيران لعدم غلق مضيق هرمز معتبره المضيق ممر ملاحي دولي وليس شانًا إيرانيًا خالصًا.

وفى إطار النهج الحذر والحل الدبلوماسي، كثفت الصين جهودها لإنهاء الحرب- وهنا تحولت لوسيط محايد- مما أثمر محادثات باكستان والتي بحسب واشنطن قد جاءت بجهود صينية، وتوكد تقارير منها أمريكية بممارسة الصين لضغوط شديدة على إيران لتخفيف حدة مطالبها خاصة النووية لإبرام صفقة.

إن حرص الصين الشديد على الحفاظ على ثوابتها ومبادئها الأساسية في المنطقة لا ينفصل عن حرص الصين في الحفاظ على أهدافها الاستراتيجية الكبرى، والتي تتلخص في قيادة دولية مسؤولة في إطار نظام دولي متعدد الأقطاب، وقيادة تحالف دولي عالمي لإصلاح النظام الدولي الاقتصادي، والتصدي للتحديات الوجودية خاصة أزمة المناخ والانتشار النووي، وترسيخ نموذج عالمي للتنمية يقوم على المساواة، ودمقرطة العلاقات الدولية بصورة عامة.

ومن هذا المنطلق، تنتهج الصين نهجًا خاصًا لتحقيق ذلك لا سيما القيادة الدولية يستند على قبول العالم طواعية لتلك القيادة، ومشاركة العالم خاصة دولة الفقيرة والصغيرة في نظام دولي يسود فيه المساواة والسلام. ومن ثم، ليس من المستغرب أن تنيء الصين بنفسها عن أية حروب أو التورط خارجيا بعيدا عن حماية سيادتها الحدودية، ولا حتى نشر قواعد عسكرية في الخارج، إذ لا تسعى بان تظهر بمظهر القوة العسكرية المتغطرسة، وكذلك التجنب التام للتدخل في سيادة الدول وخيارات قيادتها وشعوبها. وكل ذلك قد انعكس على موقفها من حرب إيران، وإيران تحديدا، حيث عدم الانجرار مطلقا في حرب، وكذلك عدم الانجرار بصورة كاملة وراء رؤية ومواقف إيران أهم حلفائها في العالم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z