ليس الخوف على مستقبل الخليج.. بل من ضياع البوصلة!

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

أستحضرُ، وأنا أكتب هذه السطور، الأوبريت الغنائي الشهير "الحُلم العربي"، الذي قُدِّمَ عام 1998، من كلمات الشاعر المصري مدحت العدل، وإنتاج أحمد العريان، وإخراج طارق العريان، وبمشاركة 21 فنانًا من مختلف الدول العربية. لم يكن ذلك العمل مجرد تجربة فنية، بل بدا وكأنَّه نداءٌ أخير لإنقاذ فكرة كانت تتآكل، لا لأن أحدًا أراد لها السقوط، بل لأنَّ الطريق إليها فقد وضوحه.

ومن هذه الذاكرة، ألتفت إلى الخليج… لا لأقارن؛ بل لأفهم. هنا تبدو الصورة مُختلفة؛ فمنذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في أبوظبي عام 1981، لم يكن الأمر مجرد إعلان عن تكتل إقليمي، بل كان تأسيسًا لفكرة عميقة مفادها أنَّ المصير يُمكن أن يُدار جماعيًا، وأن الجغرافيا المحدودة يُمكن أن تتحول إلى فضاءٍ أوسع حين تتوحد الإرادة.

هذه الفكرة لم تبقَ حبيسة التنظير، بل تحولت- عبر العقود- إلى واقع ملموس: تماسك سياسي نسبي، تقاطعات اقتصادية، حضور إقليمي فاعل، وشعور- ولو بدرجات مُتفاوتة- بأن ما يجمع أكثر مما يُفرق. ومن هذا المنطلق، أقول، كمواطن خليجي، لا من موقع التحليل المجرد، بل من موقع الانتماء: إنني أرى هذا المشروع متماسكًا. ليس لأنه خالٍ من التحديات، بل لأنه- حتى اللحظة- لم يفقد منطقه الداخلي. لا يزال قادرًا على الاستمرار، وعلى امتصاص الصدمات، وإعادة ترتيب أولوياته كلما اقتضت الحاجة. وهذا ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على أن ما تأسس في البدايات كان أعمق من أن تهزه التقلبات العابرة.

غير أن هذا الإيمان لا يلغي القلق؛ بل يضعه في سياقه الحقيقي؛ فالقلق ليس من الانهيار، بل من التيه. من أن تستمر المسيرة، ولكن دون وضوح في الاتجاه. من أن تتحرك الخطى، بينما تفقد البوصلة التي تُحدد الغاية.

وإذا ما انتقلتُ من مساحة التأمل إلى مساحة الذاكرة الشخصية، فإنني- كوني من الجيل الثاني الذي واكب قيام مجلس التَّعاون- لا أستحضر هذا الكيان كفكرةٍ نظرية، بل كحالةٍ عشنا تفاصيلها.

لقد كُنَّا نرى هذا المجلس وهو يتشكل أمام أعيننا، لا بوصفه تكتلًا سياسيًا فحسب، بل كمشروعٍ يسعى إلى أن يجعل الشعوب الخليجية تعيش في حالة من الانسجام الطبيعي، حيث تتقارب العادات، وتتداخل المصالح، ويشعر الإنسان- أينما ذهب في الخليج- بأنه في امتدادٍ لبيئته الأولى.

ذلك التجانس، الذي تشكّل عبر الزمن، لم يكن عابرًا، بل بدا كنسيجٍ واحدٍ مُتماسك، تتداخل خيوطه دون أن تفقد خصوصية كل دولة، لكنه في الوقت ذاته يمنح صورة جماعية متفردة. ولعل هذا ما جعل هذا التكتل يحظى بنظرة تقدير- وربما غبطة- من قبل الآخرين، الذين رأوا فيه نموذجًا نادرًا في منطقة تعجّ بالتباينات.

غير أن هذا النسيج، مهما بدا قويًا، يظل بحاجة إلى رعايةٍ مستمرة. وهنا، لا يمكن أن يُلقى العبء على المؤسسات وحدها، بل إن مسؤولية الحفاظ على هذا الكيان تقع- بقدرٍ كبير- على عاتق الشعوب نفسها؛ حيث إن تماسك الخليج لا يُصنع فقط في قاعات الاجتماعات، بل في سلوك الأفراد، وفي وعيهم الجمعي، وفي حرصهم على أن تبقى هذه الروح حيّة في تفاصيل الحياة اليومية.

إننا، كشعوب خليجية، نملك القدرة على أن نجعل هذا النسيج أكثر قوةً وصلابة، إذا ما تمسكنا بما يجمعنا، ووعينا بأن الاختلاف الطبيعي لا ينبغي أن يتحول إلى مسافة، بل إلى مساحة إثراء. ولقد امتلك الجيل المؤسس رؤية واضحة، وكان يدرك لماذا يجتمع، وإلى أين يمضي. ولذلك، لم تكن عبارة "خليجنا واحد" مجرد شعار، بل خلاصة وعيٍ تاريخي وإدراكٍ استراتيجي.

أما اليوم، فإنَّ التحدي لم يعد في الحفاظ على الكيان، بل في الحفاظ على معناه. وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة، تقوم على إعادة ترتيب الأولويات بما يعزز استدامة هذا المشروع وعمقه. ولعل من المهم في هذه المرحلة أن يُعاد توجيه جزء من زخم مجلس التعاون نحو ما يخدم المواطن الخليجي بشكل مباشر، من خلال تعزيز البعد الاجتماعي الشعبي، وترسيخ التقارب بين الناس، بحيث يصبح "الخليج" تجربة مُعاشة في تفاصيل الحياة اليومية، لا مجرد إطار سياسي.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الملفات الأخرى- الأمنية والسياسية والعسكرية والإعلامية؛ فهي ركائز سيادية تتولاها مؤسسات كل دولة وفق أولوياتها، لكنها وحدها قد لا تكفي لبناء الإحساس العميق بالمشروع المشترك.

إنَّ القوة الحقيقية لهذا الكيان لا تكمُن فقط في تنسيق السياسات، بل في حضوره في وجدان مواطنيه. وحين يشعر الإنسان الخليجي بأن هذا المشروع يمَس حياته، ويصنع مستقبله، فإن اللحمة تزداد رسوخًا، والكيان يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات- أيًّا كان مصدرها.

قد يبدو هذا الطرح صعب التحقيق، لكنه في جوهره دعوة لإعادة بناء الفكرة من الداخل، وترسيخها في الإنسان قبل المؤسسات.

فنحن لا نرث كيانًا جاهزًا، بل نرث فكرة. والأفكار، إن لم تُجدَّد، تذبل، حتى وإن بقيت هياكلها قائمة.

إنَّ الحفاظ على الإرث الخليجي لا يكون بالحنين إليه، بل بإعادة إنتاجه في سياق أكثر عمقًا واتساعًا، يواكب تحولات العصر، ويمنحه أفقًا جديدًا. فأن يبقى "الخليج واحدًا" لا يعني أن يبقى كما هو؛ بل أن يبقى قادرًا على التطور دون أن يفقد روحه.

وفي الختام.. وإن كنتُ أتحدثُ بوعي التحليل، فإنني أكتب أيضًا بذاكرة الجيل الذي رأى البدايات، وعاش تفاصيل التشكّل، وآمن- كما آمن من قبله- أن هذا الكيان ليس خيارًا عابرًا، بل قدرًا مشتركًا.

وتبقى الدعوة صادقة بأن تظل دول الخليج متماسكة، متصدية لكل ما قد يحيط بها من صراعات وفتن، متمسكة بإرثها الذي صنعه الآباء، وحافظة لمسيرتها التي كُتبت بوعيٍ وإرادة، وأن يبقى هذا الكيان قويًا لا تزعزعه الرياح، ولا تفرقه التحديات، وأن يظل ذلك النشيد الذي تربينا عليه- "خليجنا واحد وشعبنا واحد"- حيًا في وجداننا، تتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل، لا كأغنيةٍ من الماضي؛ بل كحقيقة يعيشها الحاضر ويؤمن بها المستقبل.

الأكثر قراءة

z