العلاقات الأذربيجانية- العُمانية.. نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

 

 

 

 

رشاد إسماعيلوف **

في السنوات الأخيرة، برز اتجاهٌ لافتٌ في السياسة الخارجية لكلا البلدين، تمثَّل في تعزيز التعاون الثنائي بين جمهورية أذربيجان وسلطنة عُمان في مجالات عدة، تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية. إن تعميق أذربيجان لعلاقاتها مع سلطنة عُمان لم يأتِ من قبيل الصدفة؛ فبينما يمتلك كلا البلدين موارد هائلة من الطاقة، ويسعيان إلى الحفاظ على مكانتهما في السوق العالمية، فإنَّ هذا التشابه يجعلهما شريكين طبيعيين.

أما الجانب الآخر ذو الأهمية القصوى، فيتعلق بالموقع الجغرافي؛ إذ تؤدي أذربيجان دور جسرٍ استراتيجي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، في حين تتمتع سلطنة عُمان بمنفذ بحري حيوي في حوض المحيط الهندي؛ الأمر الذي يتيح فرصًا واعدة للتعاون في مجالي النقل والخدمات اللوجستية مستقبلًا. وعلى وجه الخصوص، فإنَّ الموقع الاستراتيجي لجمهورية أذربيجان ضمن ممر "الشمال- الجنوب" يجعلها شريكًا محوريًا لسلطنة عُمان. ومن جانبها، يمكن لسلطنة عُمان أن تكون حليفًا لأذربيجان يوفر لها منفذًا مُباشرًا إلى المحيط الهندي.

علاوةً على ذلك، فإنَّ اتباع البلدين لسياسة خارجية متوازنة يسهم في تقريب وجهات نظرهما حيال القضايا الدولية، مما يعزز التقارب السياسي بينهما. وفي الوقت نفسه، يشكل العامل الديني المشترك - المتمثل في التمسك بالإسلام الوَسَطِي- ركيزةً أساسية في تعزيز التقارب الروحي والثقافي بين الشعبين.

ويتحدد تطور العلاقات الثنائية إلى حدٍ كبير بطبيعة الاتصالات الشخصية بين قادة الدول، إذ تُضفي هذه التفاعلات طابعًا أكثر ثقة واستقرارًا وبناءً على العلاقات الدبلوماسية الرسمية. في هذا الصدد، تكتسب الأجواء القائمة على الاحترام المتبادل والحوار المفتوح، والثقة المتبادلة بين فخامة الرئيس إلهام علييف رئيس جمهورية أذربيجان وجلالة السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، أهميةً خاصة؛ إذ تُمثِّل هذه العوامل محركًا رئيسيًا لتوسيع آفاق التعاون الثنائي، وتسهم في استكشاف مجالات جديدة للتفاعل، كما تعمل على تسريع تنفيذ المبادرات والمشروعات المشتركة.

وشهدت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة تكثيفًا ملحوظًا في الاتصالات رفيعة المستوى. وفي أكتوبر 2025، وقّعت كلٌّ من جمهورية أذربيجان وسلطنة عُمان اتفاقيةً بشأن الإلغاء المتبادل لنظام التأشيرات لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة والخدمة، إلى جانب مذكرة التفاهم في مجال التعاون القنصلي. وقد أسهمت هذه الوثائق في تعزيز الإطار القانوني الناظم للعلاقات الثنائية، كما يسّرت حركة وتنقّل المواطنين ورجال الأعمال والممثلين الرسميين بين البلدين.

وتتناول الأطراف، خلال الاجتماعات الرسمية ولقاءات العمل، سبل توسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز فرص الاستثمار المتبادل، وتكثيف العمل المشترك في مجالات الطاقة والنقل والتجارة والسياحة والزراعة والخدمات اللوجستية. كما تحظى قضايا الدعم المتبادل في إطار المنظمات الدولية، مثل منظمة الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، فضلًا عن مُراعاة مواقف كل طرف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، باهتمامٍ خاص. يعكس هذا النمط من الحوار البنّاء ومتعدد الأبعاد الارتقاء التدريجي للعلاقات إلى المستوى الاستراتيجي، وتحولها من تعاونٍ ثنائي إلى شراكة فاعلة تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.

 

وتُعدّ الزيارات المتبادلة من أبرز المؤشرات الدالة على كثافة العلاقات الدبلوماسية. وقد شهد هذا المسار خلال السنوات الأخيرة نشاطًا ملحوظًا بين البلدين. ويحتل العامل الثقافي مكانة جوهرية في العلاقات بين أذربيجان وسلطنة عُمان؛ إذ أسهمت الفعاليات الثقافية المتنوعة التي نُظمت مؤخرًا في تعميق أواصر التقارب والتفاهم بين الشعبين. على وجه الخصوص، كان لزيارة السيدة ليلى علييفا نائبة رئيس مؤسسة حيدر علييف، إلى سلطنة عُمان أثرٌ كبير في إضفاء دفعةٍ جديدة على العلاقات الإنسانية والثقافية بين البلدين. ففي إطار هذه الزيارة، لعبت الفعاليات المنظمة دورًا فاعلًا في تعزيز التعارف المتبادل والتفاهم الثقافي.

كما أن الزيارات المتبادلة لأعضاء المجلس الوطني (البرلمان) تُسهم في تنشيط الدبلوماسية البرلمانية وتعميق الحوار السياسي بين البلدين. وقد دعمت سلطنة عُمان باستمرار سيادة جمهورية أذربيجان وسلامة أراضيها، في حين تَعتبِر أذربيجان سلطنةَ عُمان شريكًا موثوقًا في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة. ويعكس هذا الدعم المتبادل أن العلاقات السياسية بين البلدين قائمة على أسس متينة وراسخة.

وتشهد العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خلال السنوات الأخيرة، ديناميكية إيجابية متصاعدة؛ ففي مرحلة ما بعد جائحة "كورونا"، اتجه حجم التبادل التجاري بينهما نحو زيادة سنوية مستمرة. ومع ذلك، فإن الإمكانات المتاحة تفوق ذلك بكثير، وهناك رغبة مشتركة لدى الطرفين لتفعيلها بالكامل؛ إذ إن الأرقام الحالية المتعلقة بحجم التبادل التجاري لا تعكس بشكل كامل القدرات الاقتصادية الحقيقية للبلدين، وتبرز إمكانات كبيرة للتعاون، لا سيما في مجالات الطاقة والصناعات البتروكيميائية، والنقل والخدمات اللوجستية، وتصدير المنتجات الزراعية، وقطاع السياحة.

ويُعدّ التعاون في قطاع السياحة من أكثر المجالات حيوية ووعودًا بين البلدين. فكما أن التراث التاريخي الغني لأذربيجان يثير اهتمام السياح العُمانيين، فإن عُمان بدورها تجذب انتباه السياح الأذربيجانيين بما تمتلكه من تاريخ عريق وطبيعة خلابة وثقافة متميزة وفريدة. وتُظهر المؤشرات والدراسات المجراة أن الارتقاء بالعلاقات الأذربيجانية–العُمانية إلى مستوى استراتيجي، من شأنه أن يحقق مكاسب كبرى لكلا البلدين.

فمن الناحية الاقتصادية، سيؤدي هذا التعاون إلى تنويع الأسواق، وخلق فرص استثمارية جديدة، وتعزيز الشراكة في قطاع الطاقة. ومن الناحية الجيوسياسية، سيكون لهذه العلاقات أثرٌ في تعزيز دور "الجسر" بين المناطق المختلفة، كما أنها تُسهم في تشكيل ممرات نقل دولية جديدة. وعلى وجه الخصوص، قد يؤدي الجمع بين دور أذربيجان في "الممر الأوسط" والإمكانات البحرية التي تمتلكها سلطنة عُمان، إلى ظهور مسارات تجارية عالمية جديدة.

وتشير جميع هذه العوامل إلى أن العلاقات الأذربيجانية - العمانية قد دخلت مرحلة جديدة من التطور النوعي؛ فالثقة المتبادلة بين القيادات، وتكثيف الزيارات المتبادلة، وتوسع الروابط الاقتصادية، كلها مؤشرات على أن هذه الشراكة مرشحة لمزيد من الترسخ في المستقبل. وفي المرحلة الراهنة، تتمثل المهمة الأساسية في تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع. وإذا تم اتخاذ خطوات متسقة في هذا الاتجاه، فمن المتوقع أن يتحول التعاون بين جمهورية أذربيجان وسلطنة عُمان، خلال السنوات المقبلة، إلى أحد النماذج الناجحة للشراكات الاستراتيجية العابرة للمناطق. ونحن نلمس حاليًا نشاطًا شاملًا ومتكاملًا في هذا السياق.

** سفير جمهورية أذربيجان المعتمد لدى سلطنة عُمان

تعليق عبر الفيس بوك

z