سالم البادي (أبو معن)
عند إشارة مرور مزدحمة، وبينما كان العالم يغلي من حولنا بالأخبار والأزمات، توقفت سيارة سوداء فارهة، يفوح منها عطر الثراء. خلف المقود رجل أربعيني، ملامحه مُتعبة رغم النعيم الذي يحيط به، كان يضرب المقود بضيق وهو يتحدث في هاتفه عن "صفقة خاسرة" وعن "غلاء الأسعار" الذي يُهدد استثماراته.
اقترب منه طفل نحيل، في العاشرة من عمره، يحمل في يده بضع علب من المناديل. لم يطلب الصدقة، بل ابتسم وقال بصوت واثق: "يا عمّي، خذ واحدة وامسح بها كدر اليوم، فالعمر أقصر من أن نضيعه في الضيق".
سخر الرجل منه وقال بحدة: "ماذا تفهم أنت عن الضيق؟ العالم ينهار، والأسعار تشتعل، وأنا أخسر الملايين.. اذهب والعب بعيدًا!"
لم يغضب الطفل، بل وضع علبة مناديل على نافذة السيارة وقال بهدوء: "أنا لا أعرف الملايين يا عمي، لكنني أعرف أنَّ والدي كان يقول لي: 'الرزق يحب السعي، والقلب يحب الرضا'..
أنا اليوم بعت عشر علب، وهذا يعني أن أمي ستتعشى جيدًا الليلة.
بالنسبة لي، العالم اليوم بخير.
تغيرت ملامح الرجل. نظر إلى علبة المناديل الرخيصة، ثم إلى الطفل الذي يركض بين السيارات بابتسامة لا تُفارق وجهه رغم الشمس الحارقة.
أدرك فجأة أنَّ هذا الطفل "أغنى" منه؛ فهو يمتلك ما عجزت الملايين عن شرائه: القناعة والرضا بما قسم الله.
وهنا نستلهم الدروس والعبر؛ حيث إن مفهوم الغنى ليس فقط مالًا في البنك، بل هو "نفس مطمئنة" وقدرة على رؤية النور وسط الظلام.
والسعادة قرار: الطفل قرر أن يكون سعيدًا ببيع 10 علب، والرجل قرر أن يكون تعيسًا رغم امتلاكه الملايين. الأزمات العالمية تصيب الجميع، لكنها لا تكسر إلا من فرغ قلبه من الرضا.
والستر هو الكنز: في زمن الغلاء، أعظم إنجاز هو "الستر". أن تجد عشاء ليلتك وتنام وأنت آمن، فهذا ملك لا يقدر بثمن.
رسالة للمواطن البسيط: أنت بطل في معركتك اليومية، وما دمت تسعى بشرف، فأنت تسير في طريق العظماء.
لقد لامست هذه القصة الجوهر الحقيقي لحياة المواطن العادي؛ فهي ليست مجرد موقف عابر، بل هي تجسيد حي لمفاهيم إيمانية وإنسانية عميقة.
القصة تذكرنا بأن الأسباب بيد البشر لكن الرزاق هو الله، فقد يسوق الله لك رزقك على يد غريب لم تتوقعه.
والطفل رغم حاجته، كان يسعى بجد لـ(بيع المناديل) ولم يمد يده للتسول، وهذا هو الفرق بين "التوكل" العملي و"التواكل" السلبي.
وكما ذكرت، من بات آمنًا ومعافى وعنده قوت يومه، فقد ملك أغلى ما في الدنيا؛ فالرجل في سيارة BMW قد يملك المال لكنه قد يفتقد راحة البال التي شعر بها الطفل حين حصل على مراده.
والسعي وراء الرزق مهما كان بسيطًا (كبيع المناديل) هو شرف يرفع صاحبه ويحميه من ذل السؤال.
وعن الغنى الحقيقي يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس". فالغنى ليس بنوع السيارة (BMW) بل بما يحمله القلب من سلام وطمأنينة
وعن الرضا والرزق: يقول الإمام الشافعي: "رأيت القناعة رأس الغنى.. فصرت بأذيالها متمسك، فلا ذا يَراني على بابه.. ولا ذا يَراني به منهمك، فصرت غنيًا بلا درهمٍ.. أمرّ على الناس شبه الملك".
وهذا يفسر كيف يمكن لبائع المناديل أن يشعر بعزة ملك وهو يسعى لرزقه.
إن الرزق لا يطرق أبواب المتواكلين، بل يسعى لمن سعى إليه. فليكن يقينك بالله ثابتًا بأن ما قُسم لك سيأتيك، لكن شرفك الحقيقي يكمن في عرق جبينك وعزة نفسك. انطلق في مناكب الأرض بقلبٍ قانع ونفسٍ طموحة، فما من يدٍ امتدت للعمل إلا باركها الخالق، وما من ساعٍ خلف رزقه بصدق إلا وحيزت له الدنيا بحذافيرها".
"... وليكن شعارك دائمًا قول الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ}؛ فالسعيُ عبادة، والنتائجُ عند الله، ومن سار على درب العمل واليقين، فُتحت له أبواب الخير من حيث لا يحتسب.
