د. سعيد الدرمكي
في زمن تتسابق فيه المؤسسات بمختلف قطاعاتها على تبني الذكاء الاصطناعي وتسريع التحول الرقمي، يبرز سؤال جوهري لا يقل أهمية عن كل ما تحقق من تقدم وإنجازات.
هل ما زال الإنسان في صميم هذه المعادلة، أم أضحى مجرد عنصر ضمن منظومة تقودها التقنيات؟
ومع حلول يوم العمال العالمي، تتجدد أهمية هذا السؤال، ليس بوصفه طرحًا فكريًا، بل كقضية استراتيجية تمس جوهر مستقبل العمل واستدامة الأداء المؤسسي.
ورغم تغير الأدوات وتطور الأنظمة وتسارع الابتكارات، يبقى الإنسان هو من يمنح هذه التحولات معناها واتجاهها؛ ولم يعد التميز في عصرنا الراهن قائمًا على امتلاك التكنولوجيا بحد ذاتها، بل على القدرة على توظيفها بوعي ومسؤولية، بما يحقق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والقيم الإنسانية.
وفي هذا السياق، تبرز الأخلاقيات كركيزة أساسية في توجيه مسار التقدم. فهي لم تعد خيارًا، بل ضرورة لضمان أن يبقى التطور في خدمة الإنسان، لا على حسابه. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تقدم، تظل أداة، بينما يبقى الإنسان هو من يحدد كيفية استخدامها والغاية منها.
كما أن تعقيد بيئة الأعمال يفرض تحولًا في مفهوم القيادة؛ فلم يعد الذكاء وحده كافيًا، بل أصبح من الضروري أن يتكامل مع الذكاء العاطفي، والحكمة الأخلاقية، والمسؤولية المجتمعية. فالقيادة الفاعلة اليوم هي التي تدرك أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الحقيقي لتحقيق الأداء المستدام. ويظهر أثر هذا التوجه بوضوح من خلال مؤشرات الأداء، مثل ارتفاع مستويات الإنتاجية، وتحسن معدلات الاحتفاظ بالكفاءات، وزيادة قدرة المؤسسات على التكيف مع التغيرات المتسارعة.
ومن منظور استراتيجي، ينعكس هذا التحول مباشرةً على دور الموارد البشرية، التي تحولت من وظيفة داعمة إلى محرك مباشر للأداء المؤسسي وصناعة القرار؛ إذ تمثلُ بناءُ القدرات، وتمكينُ الكفاءات، ومواءمةُ المواهب مع الأهداف الاستراتيجية عواملَ حاسمةً في تحقيق نتائج ملموسة.
وفي هذا الإطار، تُظهر العديد من التجارب العملية أن المؤسسات التي ركّزت على تطوير قدرات موظفيها وتمكينهم من استخدام التقنيات الحديثة بفاعلية، حققت نتائج تفوق تلك التي اعتمدت على التقنية وحدها، حيث انعكس ذلك على تحسين الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، ورفع مستوى الاستدامة المؤسسية.
وفي السياق العُماني، تتجسد هذه الرؤية من خلال التوجهات الوطنية التي تضع الإنسان في قلب مسار التنمية، عبر التركيز على بناء القدرات الوطنية وتعزيز جاهزيتها لمواكبة التحولات العالمية. ويعكس ذلك إدراكًا واضحًا بأن الاستثمار في الإنسان هو الأساس الحقيقي لتحقيق التنافسية والاستدامة في ظل اقتصاد متغير.
وفي ظل المبادرات الوطنية المتسارعة لتعزيز تبني الذكاء الاصطناعي، تبرز أهمية ضمان أن يقترن هذا التقدم ببناء الإنسان القادر على قيادته بوعي ومسؤولية.
ورغم ما توفره الأنظمة الذكية من قدرات تحليلية متقدمة، فإنها، مهما بلغت من دقة، لا تستطيع أن تجسّد القيم الإنسانية أو تتحمل مسؤولية القرارات الأخلاقية. ومن هنا، يظل الحفاظ على البعد الإنساني داخل بيئات العمل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق القيادات والمؤسسات.
وفي يوم العمال العالمي، تتجدد الدعوة إلى التأكيد على أن الإنسان ليس مجرد مورد ضمن منظومة الإنتاج، بل جوهرها الحقيقي، وأن الاستثمار في تطويره وتمكينه وتعزيز قيمه هو الركيزة الأساسية لتحقيق التوازن بين التقدم التقني والاستدامة المؤسسية.
وفي ظل ما تشهده سلطنة عُمان من مسار تنموي متجدد يقوم على تمكين الإنسان وتعزيز قدراته، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في مواكبة التقنيات فحسب، بل في الاستثمار في الإنسان القادر على توجيهها بوعي ومسؤولية؛ فالمستقبل الذي تتطلع إليه عُمان لن تصنعه الأدوات وحدها، بل تصنعه الكفاءات الوطنية التي تحمل القيم، وتجيد تحويل التحديات إلى فرص، وترسّخ نموذجًا تنمويًا متوازنًا يجمع بين التقدم والإنسانية.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يُقاس التميّز بامتلاك التقنية، بل بقدرة الإنسان على توجيهها لصناعة قيمة مستدامة.
