◄ يجب تطوير الوجهات السياحية خارج الموسم التقليدي والاستفادة من التنوع المناخي والجغرافي
الرؤية- سارة العبرية
أكد خالد بن عبدالوهاب البلوشي، أكاديمي ومختص في الشأن السياحي، أنَّ المؤشرات السياحية في سلطنة عُمان أظهرت نموًا إيجابيًا بنسبة 3.7% بنهاية 2025، إلا أنَّ هذا النمو يُنظر إليه باعتباره تعافيًّا تدريجيًا وليس قفزة نوعية، موضحًا أن الارتفاع المسجل لا يزال محدودًا ويعكس تحسنًا تدريجيًا في النشاط السياحي، مع عودة الطلب على المنتج السياحي العُماني بعد فترة من التباطؤ.
وأشار -في حوار خاص لـ"الرؤية"- إلى أن هذا التحسن رغم إيجابيته، لا يصل إلى مستوى الذروة، ما يتطلب العمل على تنويع الوجهات السياحية التي ترفد السلطنة بالسيّاح، والتركيز على زيادة الإنفاق السياحي عبر إيجاد مبررات حقيقية تدفع السائح للإنفاق، وكذلك العمل على إطالة مدة الإقامة، مؤكدًا أن هناك عوامل ومُسببات يجب تعزيزها لضمان تحقيق تعافٍ حقيقي ومستدام، وليس مؤقتًا.
وأوضح البلوشي أن المؤشرات الحالية تمثل دلالة جيدة على تحسن الإنتاج السياحي، لكنها بحاجة إلى الاستدامة، لافتاً إلى أنَّ من أبرز الأولويات في هذه المرحلة تحسين الربط الجوي بين سلطنة عُمان والأسواق المُصدّرة للسيّاح، إضافة إلى أهمية استقطاب شركات طيران جديدة إلى مطارات مسقط وصحار وصلالة، سواء عبر الرحلات المجدولة أو العارضة، إذ إن هذا التنوع لا يشكل منافسة لشركات الطيران الوطنية؛ بل يمثل تكاملًا يعزز من التحالفات الجوية ويوسّع شبكة الوصول.
وبيّن أن السائح يبحث عن تجربة سياحية متكاملة تشمل الثقافة والبيئة والمغامرات والتسوق والترفيه، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان باتت تتقدم في سياحة المغامرات بفضل تنوعها البيئي والجغرافي، وهو ما يشكل عنصر جذب مُهم لشريحة واسعة من السيّاح.
وفي جانب الاستثمار، شدد على أهمية تطوير الوجهات السياحية خارج الموسم التقليدي، مستفيدين من التنوع المناخي والجغرافي بين المحافظات والولايات، بما يسهم في خلق نقاط جذب سياحية مستدامة على مدار العام، بدلًا من التركيز على المواسم المحدودة.
كما أشار إلى أن التحول الرقمي ورقمنة القطاع السياحي أصبحا أمرًا واقعًا؛ حيث يبحث السائح عن السهولة والسلاسة في التعامل مع الخدمات، ما يستدعي الاستعداد لتلبية هذه التوقعات، مع التركيز على رفع جودة العائد الاقتصادي من خلال استقطاب سياح ذوي إنفاق مرتفع، والتركيز على النوعية بدلًا من الكم.
وحول الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، أوضح أن هناك نموًا ملحوظًا في قطاع الإقامة والخدمات المساندة والنقل، خاصة على صعيد السياحة الداخلية والإقليمية، حيث ارتفع الطلب على الإقامات القصيرة في المنتجعات والنُزل، في حين لا يزال الطلب الدولي يشهد نموًا محدودًا، مضيفا أن قطاع النقل يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية هي السعة، والربط، والتكلفة، وأن هذه العوامل لا تزال متفاوتة ولم تحقق نموًا قويًا بعد؛ بل شهدت تراجعًا طفيفًا، مُعربًا عن أمله في تحسنها خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحالفات الجوية التي تنضم إليها شركات الطيران في السلطنة، ومنها انضمام الناقل الوطني إلى تحالف "عالم واحد"، ما يتيح الوصول إلى وجهات جديدة وشبكات طيران أوسع، ويفتح أسواقًا جديدة تدعم التدفق السياحي إلى السلطنة.
وقال البلوشي إنِّه لا يرى وجود اختلال في هيكل الأنظمة السياحية؛ بل يرى أن هناك فرصًا استثمارية غير مستغلة تحتاج إلى ترويج أكبر وتخفيف القيود عليها، بما يُعزز جاذبية الاستثمار السياحي ويشجع المستثمرين على الدخول في هذا القطاع.
وتطرق إلى تأثير التوترات الإقليمية التي حدثت في الآونة الأخيرة، موضحًا أنها أثرت بشكل مباشر وغير مباشر على قطاع الطيران، من خلال ارتفاع التكاليف التشغيلية، وأسعار الوقود والتأمين، وتغير المسارات الجوية، وارتفاع أسعار التذاكر، إضافة إلى تردد بعض السياح في زيارة المنطقة، إلا أنَّ سلطنة عُمان لم تتأثر بشكل حاد مقارنة ببعض الوجهات التي توقفت فيها حركة الطيران بالكامل.
وأشار إلى أنَّ قطاع الطيران يشهد تعافيًا حذرًا ومتدرجًا؛ حيث يقابَل تحسن الطلب بارتفاع التكاليف؛ نتيجة التقلبات الجيوسياسية التي تؤثر بشكل كبير على حركة التدفق السياحي في المنطقة، مبيناً أن استقطاب شركات طيران أجنبية إلى السلطنة أصبح أمرًا ضروريًا لتعزيز التدفق السياحي، إلى جانب دعم الرحلات العارضة، خاصة إلى محافظة ظفار عبر مطار صلالة، الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من هذه الرحلات، مع ضرورة تقديم تسهيلات للشركات الأجنبية، مثل خفض رسوم الخدمات الأرضية وأسعار الوقود وتوفير حوافز متنوعة.
وفيما يخص إصدار اللائحة التنفيذية لقانون السياحة، أكد الدكتور خالد أنها تمثل خطوة مُهمة وواضحة وشفافة لتنظيم القطاع وتعزيز ثقة المستثمرين؛ حيث تسهم في وضع أُطر قانونية وحوكمة واضحة، وتحسين جودة الخدمات، وضمان وجود رقابة وتشريعات تحمي جميع الأطراف، مبيناً أنَّ اللائحة ستُسهم أيضًا في تعزيز بيئة الاستثمار، كما أن إدراج جانب التأمين السياحي سيحمي حقوق السائح ويقلل من المخاطر، ويرفع مستوى الاحترافية والانضباط في الخدمات المقدمة، مع أهمية ألا تتحمل الشركات وحدها تكلفة التأمين؛ بل يتم توزيعها بشكل تشاركي أو تضمينها ضمن ترتيبات السفر قبل وصول السائح.
وحذر البلوشي من ظاهرة استغلال المنازل والشقق وتحويلها إلى مرافق إيواء غير مرخصة، مؤكدًا ضرورة التعامل معها بحزم لما لها من تأثير سلبي على المؤسسات الملتزمة بالقوانين.
ودعا البلوشي إلى منح المحافظات صلاحيات أوسع لإدارة المواقع السياحية ضمن نطاقها الجغرافي، بما يعزز التنافس بينها لإبراز مقوماتها السياحية، على أن يتم توجيه عوائد الاستثمار لتنمية القطاع السياحي محليًا.
وفي ختام حديثه، أشار الدكتور خالد إلى أن عدد الغرف الفندقية الحالية كافٍ، داعيًا إلى التريث في إصدار تصاريح إنشاء فنادق جديدة بعد عام 2030، مقابل التركيز على التوسع في المنتجعات والنُزل السياحية، خاصة المرتبطة بالسياحة العلاجية وعيون المياه الطبيعية، لما تتمتع به من جاذبية عالية، حيث إن الغرف الفندقية تسجل فائضا مع انخفاض متوسط نسب الإشغال على مدار العام.
