بين الفقد والدعاء.. حكاية أُم لا تُنسى

 

 

زكريا الحسني

تجربة المشاركة في مراسم الدفن ليست جديدة عليّ، فطالما شاركتُ فيها، وطالما صافحتُ الأيادي أُعزي أصحابها لفقدهم بالكلمات المعتادة، ولكن الشعور الحقيقي بمعنى الفقد لا يتأتى ما لم تكن في موقع الفاقد! إنه إحساس ما كنتُ أتخيل اتساعه الهائل!

لم أتخيل أن للفقد كل هذا الثقل الذي يكاد أن يكسر القلب قطعةً قطعةً، إلّا عندما وجدتُ نفسي في الركن المخصص لتلقي التعازي وكلمات الصبر، فلقد رحلت أُمي إلى غير عودة.

لقد تغيّر كل شيء!

دقات القلب تتسارع وكأنها تهرب من الصدر إلى منطقة أخرى، والدموع لم تستأذن لكي تنهمر! وأبواب الذكريات قد انفتحت على مصراعيها بلا دقٌ على الباب!

وها أنا ذا في كومة من الذكريات، أستعيدها كلها دفعة واحدة، لكل يوم قضيته معها، وكل ساعة أمضيتها بجانبها، وكل اللحظات أجدها جاثمة أمامي، بالابتسامات والضحكات، وبالمحادثات والأدعية والمناجاة.

أيام الجُمع كانت متميزة في حياتها، فلقد كانت تقبل فيها على ربها بقلب مفعم بالإيمان والسكينة، ترفع يديها إلى السماء في خشوع صادق، وتلح بالدعاء، دعاء يتجاوز عائلتها ليشمل كل من ترتبط بهم بمودة صادقة، وكل الناس.

لقد كانت تربطها بالسيدة خالصة صداقة متينة، لذا كنتُ أسمعها تدعو لابنتها، أعني السيدة الجليلة عهد دعاء يفيض حُبا تسأل فيه ربها المتعال الكريم أن يحفظها ويبارك لها، ويكتب لها من البشائر ما تقرّ به عينها، ويطمئن لها قلبها.

ما أعجب أمر القلب الذي يتجاوز الحدود في طلب الخير والرحمة والمغفرة للجميع؟

حقًا الصداقات الحقيقية تتجاوز حدود اللقاءات والكلمات، لتصل إلى تذكر الأعزاء في الدعاء الصادق، وفي الاهتمام الخفي الذي لا يطلب مقابلًا.

إنها صداقة تُروى بالإخلاص، فتزهر بالوفاء، وتبقى حية حتى في غياب أصحابها.

تذكرتُ قول الله تعالى "الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ" (الزخرف: 67)، وأنا أسمعُ أمي في ابتهالها؛ إذ فعلًا ينبغي للصداقات أن تتخذ التقوى والمحبة في الله قاعدة لها.

وما أجمل تلك الكلمة التي تُنقل عن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام: "دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب مستجاب"، إنها تعرض نهجًا مذهلًا في التلاحم بين الناس، ولله الحمد أن أمي ذاقت طعم هذه اللذة، لذا كانت تغرس الخير في الغيب.

رحمك الله يا أمي، فلقد علمتني أن الصداقة ليست قولًا، بل دعاء صادق وقلب وفيّ لا ينسى أحباءه. وها أنا ذا، كلما مرَّ عليَّ يوم الجمعة أتذكر يداها المرفوعتان بين يديَّ باريها، وصوتها الخافت وهي تدعو.

فعلا إن أعظم ما يُخلّفه الإنسان بعد رحيله ليس المال، ولا الكلام، بل أثرهُ الطيب في القلوب ودعواته التي تظل تحفّ بمن أحب.

التفاصيل الصغيرة التي لم أكن ألتفتُ إليها أيام حياتها، بدت فجأة أمام عيني بأحجام هائلة عظيمة، أشعرتني وكأن تلك السنوات لم تكن إلا لحظات خاطفة مرت سريعا دون أن أدرك قيمتها كما ينبغي.

الآن فقط أدركتُ معنى الفقد، وما يحمله من ألم موجع وحنين، لا ينطفئ، ووجع لا يزول، أدركتُ أن الأم ليست مجرد إنسان في حياتنا، بل هي حياة كاملة، محفوفة بالرحمة توزع الطمأنينة لمن حولها بدعواتها الصادقة بلا شروط مسبقة أو مقابل.

ما أعظم ما نطق به الوحي الإلهي: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الإسراء: 23).

وكأن هذه الآية جاءت لتوقظ فينا معنى البر قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، وقوله جلَّ ثناؤه: "وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" (الإسراء: 24).

فعلًا.. إن أعظم ما يمكن أن نقدمه من تحفة لوالدينا هو الدعاء الصادق النابع من قلب يعرف قيمة الفقد.

لقد أيقنتُ أن الأم والأب كالعينين إن فقدت إحداهما اختلّ التوازن وضاقت الرؤية وأصبحت الحياة أقل وضوحا وأشد قسوة. حقًا إن الفقد يعلّمنا أن نسارع في التعبير عن مشاعرنا لهما، فالزمن إن مضى فلن تبقى لكلمات الحُب من معنى إن لم تُقال في حياتهما لهما، فكم من كلمة لو قيلت قبل رحيلهما لصبغت اللحظات الفائتة بجمال لا يُنسى.

وأنا أكتب هذه الكلمات أشعر أن قلبي يعتصر ألمًا، وأن الحزن ما برح يسكن أعماقي، وما بقي بين يدي إلّا أن أدعوه تعالى أن يرفع أمي في درجات الجنان أعلاها، وأن يجمعني بها في مستقر رحمته.

رحمك الله يا أمي فقد كنت النور الذي أضاء حياتي ولا يزال نورك في قلبي حيًّا لن يخبو.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z