المجتمع بين الاعتزال والفقد

 

 

د. صالح الفهدي

جُبِلَ المجتمعُ العُماني على الروح الاجتماعيةِ الموسومةِ بالانفتاح والتآلف، وتلك خصيصتهُ التي عُرِفَ بها تاريخيًا؛ فالمجتمعات القروية أشبهُ بالأُسرة الواحدة؛ حيثُ الجارُ أخُ، والجارةُ أخت، والجميعُ يربُّون أبناءَ القريةِ وكأنهم أبنائهم.

كانت أسوارُ البيوتِ قصيرة، لأن القلوبَ نقيَّة، والعيون عفيفةٌ، والعلاقاتُ سامية، والمجتمع أشبه بخليَّةِ تعملُ مع بعضها البعض لمصيرٍ واحدٍ، وتعالجُ قضايا واحدة. أذكرُ أن رجال قريتنا اجتمعوا في سبلتهم العامة بمديرِ مدرسةٍ أساءَ اتهَّام بضعة طلَّابٍ من القرية، فكانت قضيَّة القرية بأكملها، أما الضيفُ الذي يحلُّ على أحد سكَّان القرية فهو ضيفُ الجميع؛ إذ إنه مهما أطال المكوث فلن يثقل عبء ضيافةِ زائره، بل يتقاسم ضيافته أهل القرية.

أمَّا ما يطرقُ أسماعنا اليوم من ظواهرَ فهي غريبةٌ لا تتوافقُ مع طبيعة مجتمعنا العُماني، ولا مع أخلاقياته، ولا عاداته وتقاليده، فقد اعتزل البعضُ المجتمع، وتقوقعوا داخل بيوتهم، لا يعلم عنهم أهل حيِّهم شيئًا، وكأن الاختلاطُ بالناس مذمَّة! ولعل الأغربَ أن يحسبَ بعضهم أن ذلك من الدين، فيحبسون أنفسهم وأهلهم عن التواصل مع المجتمع، وما ذلك من الدين في شيء!، فالنبي الأكرم عليه أفضل صلاة وسلام يقول: "ما زالَ جِبريلُ يوصيني بالجارِ، حتَّى ظَنَنتُ أنَّه سَيورِّثُه" (صحيح البخاري)، لقد الأمرُ أنَّ ساكنَ الحيِّ ليس بساكنٍ فيه، لأنه مجهولٌ، يعتزلُ الاندماج في محيطُ مجتمعه، وكأنما في التعارف شرٌّ مستطير.

ولو لم تكن المساجدُ قائمة لما تعارف الناس، وستكونُ الأحياءُ السكنية مجرَّد قوالب أسمنتيَّة، جامدة، تخرجُ منها سياراتٌ، وتؤوي إليها اُخرى، ولا يُرى خارجها بشرًا. ولقد شهدتُ ذلك حينما كُنَّا نعيد بناء الجامع، فخلال ثلاثة أعوامٍ قطَنَ في الحي مجموعةٍ من الجيران لم نتعرف إليهم إلا بعد أن استؤنفت الصلاة في الجامع، وبهذا فقد رحمنا الله بهذه المساجد التي هي جوامعُ للقلوبِ.

في الجانب الآخر، كان المجتمعُ في السابقِ إن فقدَ فردًا من أفراده سألَ وتحرَّى عنه، أمَّا اليوم، فإنْ فَقَدَهُ فلا يكاد يعتني لفقدانٍ، ولا يثقلُ نفسه بهمِّ السؤال عنه، فيغيبُ عنه أشهرًا، ولا يسألُ عنه، ولهذا بدأنا نسمعُ عن البيوت التي تصدرُ منها روائحَ كريهةٍ، لأن أهلها قد فارقوا الحياة داخلها، أو أنها بيوتٌ تعاني بين جدرانها من مصائبَ صحية، أو اجتماعية، أو معيشية.

غريبةٌ هذه الظواهر عن المجتمع العماني الذي نشأ على التعاضدِ والتآلف، والسؤال عن بعضه البعض، من أجل أن يقوم بواجبه، وإن تكن هذه الظواهر قليلة إلا أن المجتمع لا يمكن أن يرتهن إلى هذا الافتراض؛ بل عليه واجب التصحيح، فمثل هذه الظواهر نسمعُ بها في المجتمعات الغربية الرأسمالية الفردانية، لا في مجتمعاتنا القائمة على الألفة والمودة والرحمة.

الصورة النقية للمجتمع، والتي شهدتها خلال محنةٍ صحيَّة مررتُ بها أظهرت لي أصالة المجتمع العُماني، والشعور بالواجب الذي لا يتنصل منه، بالسؤالِ، والاطمئنانِ، والدعاء وكل وسيلةٍ تُظهر التفافه الحميمي الجميل المؤثِّر بإيجابية على النفس التي هي بحاجة إلى تعزيز معنوياتها. 

هذا هو المجتمع العُماني الذي نراهُ وكأنه روح فردٍ واحدٍ في الأفراح والأتراح، يتعاطى مع بعضه البعض كأسرة واحدة متضامنةٍ، ومتحدة، وهذا هو الخُلق الذي حافظ على تماسك العمانيين عبر التاريخ، ووطَّدَ لحمتهم.

الشاهدُ، أنني أرجو أن لا تمرَّ هذه الظواهر على المجتمع وكأنَّ الأمر لا يعنيه، بل أن تعالجه المؤسسات المختلفة مدنية أم حكومية من أجل تماسكٍ اجتماعيٍّ لا تكدِّر صفاءهُ شوائب الاعتزالِ، أو الفقد.

الأكثر قراءة

z