فلتات الِّلسان

 

 

 

د. صالح الفهدي

كم فضح اللسان صاحبه، وتمرَّد عليه وغافله واستغفلهُ، وكم أرداهُ في المهالك، وقطع وشائجه، وصرم علاقاته. اللسان كالحصان الجموح إن لم يستطع صاحبه أن يروِّضهُ أسقطه، وأماته، ومن روَّضهُ أراحهُ وأسعدَ باله.

 يحكي لي صديق عزيز أنه في مسيرته المهنية مرَّت عليه مواقفَ شهد فيها بعض من لم يُحكموا لجام ألسنتهم، فأحد المواقف تحدَّث شخص عن استقباحهِ لاسمٍ من الأسماء وكان من الحضور من يتسمَّى بالاسم ذاته! وفي موقفٍ آخر تحدَّث آخر بتحقيرٍ عن جماعةٍ كانَ أحد أفرادها حاضرًا، وفي موقفٍ ثالث تحدث أحدهم عن عِرْضٍ من الأعراض كان أحد الحاضرين ممن تربطهم صلة قُربى بمن تحدَّث عنه! وفي موقف رابع اتَّصل شخص بصاحبٍ له وكانت المحادثة مفتوحة يسمعه ثالث، وكان المتصل يتَّهم الشخص الثالث الذي لا يعلم أنه كان يستمع للمحادثة باتهاماتٍ في شرفه، فإذا به يرفع الأمر للمحكمة ولم يقبل فيه الشفاعات!

إن كثيراً من الصِّلات الاجتماعية انقطعت بسبب كلمةٍ قيلت في غيرِ محلَّها، ودون التفكيرِ فيها، فأودت بالعلاقات الاجتماعية إلى نهاية، وأردتها إلى انصرام، فما أعجبُ من سلطةِ اللسان على الإنسان، ولأجل ذلك كان العربُ يرددون ما قاله زهير بن أبي سلمى:

وَكَائن تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ

زِيَادَتُهُ أَو نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ

لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ

فَلَمْ يَبْقَ إَلا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ

إِنْ زَلَّ اللسان خرجت كلمة لم يُردها قائلها، أو شطحت عبارة لم يحسن صاحبها وزنها وصياغتها، فإذا بها سببًا في خصومة، أو قطع علاقة، أو إحداث فتنة. يقول الشاعر:

جراحاتُ السِّنان لها التئامُ

ولا يلتامُ ما جرحَ اللسانُ

فالكلمةُ إن خرجت فهي كالرصاصةِ تقتلُ، أو كالبلسم يبرأ القلوب، وقد ينطق الإنسانُ بكلمةٍ يحسبها هيّنةً فإذا بها تتركُ جرحًا في قلبِ سامعِها لا يندملُ بسهولة، ولهذا يأتي الحديث الشريف من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليؤسس قاعدة من قواعد التعامل الإنساني "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".

ولقد شهدتُ من يكثرُ هرجهم في المجالس، أو في وسائل التواصل الاجتماعي فتكثر معها سقطاتهم، فإذا هم في مرجٍ لا يميِّزون بين جلَّاسهم، ولا ينتقون ما يقولون؛ هذا لأن ألسنتهم تقودهم قَوْدَ الحصانِ للعربة الفارغة التي تصدرُ ضجيجاً، حتى أنَّ أحد هؤلاءِ الذين يرغون في المجالس، التقطَ أطراف حكاية كان يقصُّها أحد الرجال الوازنين، فإذا به يطلبُ من الرجل بعض التفاصيل التي فاتت على مسامعه، فردَّ عليه: لن أعيد عليك ما قلتَ لأنك ستنثره نثرَ الريح للرماد!

ولطالما كبا المرءُ بلسانه كبوة الجوادِ برجله، وهو منفلتُ الرَّسن، متخبِّطُ الوجهة، لا يكادُ يتَّجهُ شرقًا حتى يرد إلى الغرب، وبعض البشر مثل هذا الجواد الجموح، فيقولُ عنه الشاعر:

يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانِهِ

وليسَ يموتُ المرءُ من عثرةِ الرِّجلِ

 

وما يحسبُ بعض الناس المنفلتةِ ألسنتهم عواقبَ هذا الانفلات إلا بعد الوقوع، فكم من إنسانٍ خسرَ صديقًا، أو فرّقَ بينه وبين قريبٍ، أو أضاعَ مكانتَهُ في المجتمعِ بسببِ كلمةٍ خرجتْ في لحظةِ غضبٍ أو تهوّرٍ أو مزاحٍ غير محسوب. يقول الشاعر:

لسان الفتى حتف الفتى حين يجهلُ

وكلُّ امرىءٍ ما بين فكَّيه مقتلُ

إذا ما لسان المرءِ أُكثِرَ هدْرُهُ

فذاك لسانٌ بالبلاءِ موكَّلُ

وكم فاتحٍ أبوابَ شرٍّ لنفسهِ

إذا لم يكن قُفْلٌ على فيهِ مُقْفَلُ

ولا يضير المرءُ أن يتكلَّم ويكثر من الكلامِ إن كانَ نطقهُ في محلِّه، وكان يضيفُ جديداً، ويسردُ طريفًا، ويحدِّث حكمةً، ويأنسُ منه الناس حُسن الحديث، ولقد شعرنا بهذا الأُنس ممن يتكلَّم فيُمتع، ويتحدَّث فتصيخ الآذان له سمعًا.

لقد حذَّر أصحابُ ذوي النُّهى والرشد من فلتات اللسانِ، وسقطاتها، ولا زالوا يفعلون، لكنَّ كثرَ المنفلتةِ ألسنتهم في زمنِ الأبواق المفتوحةِ، والفضاءات الواسعة، والوسائل المتعددة، فتفنَّد منهم الصالح من الطالح، والجيَّد من الرديء، ففي زمنِ وسائلِ التواصلِ الحديثة، أصبحتْ فلتاتُ اللسانِ أخطرَ من ذي قبل؛ لأنَّ ما يُقال لا يمكن لملمةِ نثاره، وإعادة حروفه، ولا حلَّ لهؤلاءِ المنفلتي الألسنة إلا التثبت والتفكر والعمل بالقواعدِ الحكيمة التي سنَّها الله ورسوله والرشداء من عباده، فالله سبحانه وتعالى يقول: "وقولوا للناس حسنا" (البقرة: 83)، ونبيه المصطفى الأمين يقول: "الكلمة الطيبة صدقة" (رواه أبوهريرة)، وما لم تُضبط الألسنة، فلن تؤمنُ فلتاتها، وسقطاتها.

إنَّ الكلمةَ الطيبةَ صدقة، كما أخبر محمد بن عبد الله، وهي مفتاحُ القلوبِ وبابُ المودةِ والإصلاح. أما الكلمةُ الجارحةُ فقد تهدمُ في لحظةٍ ما تبنيهِ المحبةُ في أعوام. فحريٌّ بالإنسانِ أن يجعلَ على لسانهِ رقيبًا من الحكمةِ، وأن يتذكّرَ دائمًا أنَّ بعضَ الصمتِ أبلغُ من كثيرٍ من الكلام.

وقد أدركتِ الثقافةُ العربيةُ والإسلاميةُ خطرَ الكلمةِ قبل قرونٍ طويلة، فجعلتْ للكلامِ ميزانًا من الحكمةِ والرشد. يقول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فليَقُلْ خيرًا أو ليَصمُتْ».

الأكثر قراءة

z