أ.د. هشام البحيري **
المنظمة الميتة هي نوع من أنواع المنظمات الساكنة، والتي ترفض التطوير والتغيير، والتي تعتقد خطًا طالما أنها مستمرة، إذن هي ناجحة! والحقيقة عكس ذلك؛ ففي المنظمات الميتة يحرص المدير- غير الجدير- بمنصبه على اختيار واستمرار الموظفين الضعفاء، ويسعى دائمًا للتخلُّص الفوري من كل موظف كُفء؛ حيث يشعر أنَّ هذا الموظف الكُفء والمتميز هو من يُذكِّره دائمًا بضعفه الإداري؛ بل ويُهدِّد مكانه ويطمع في كرسيه.
ولمَّا كانت المياه العذبة لا تتحمل الركود في البحار الميتة فتتبخر، وتتحول لأمطار بعد ذلك وتبحث عن بيئات أخرى أنقى وأكثر شفافية وأوسع؛ فعلى نفس الكيفية لا يتحمل الموظفون الأكفاء والمحترفون والمبدعون وأصحاب الفكر، الاستمرار في العمل في المنظمات الميتة، فيبحثون عن مكان آخر للعمل فيه يكون أكثر موضوعية ونزاهة وعدالة، ويكون من أهم سمات هذا المكان هو تقدير جهودهم، وأن يكون قادرًا على استيعاب قيمتهم والاستفادة من مهاراتهم وقدراتهم المتميزة.
وتبدأ عملية التفكير في هجرة الأكفّاء المبدعين من المنظمات الميتة، عندما يشعرون أن عملهم لا يُقدَّر بالقدر الكاف، وأن جهودهم المبذولة يستشعر معها المديرون والموظفون الضعفاء أنها تهديد لهم وليست إضافة، فيقررون ترك العمل فورًا والاستقالة، ويستمر الروتينيون، والعاجزون، والكسالى، والذين ليس لديهم اختيار آخر، أو مكان آخر للعمل فيه سوى تلك البيئة الميتة والمنظمات العقيمة.
إنَّ الموظفين الضعفاء، يعيشون على الأمان الزائف والسكون؛ حيث يستغلون ضعف المدير وقدراته الإدارية البسيطة، ويتفنَّون في إطرائه ومجاملته من أجل نيل رضاه، وبالتالي موافقته على استمرارهم يعملون، حتى وإن لم يحققوا أي إنتاجية، أو حتى يحققوا إنتاجية ضعيفة، وبلا جودة حقيقة في الأداء، فالأهم من الإجادة هو الاستمرار في العمل والحصول على الراتب كل شهر.
كما أن المديرين الضعفاء يقعون في فخ خفي يطلق عليه "لعنة الموظف المثالي"؛ فعندما يكون لديهم موظف محترف، يُنهي كافة أعماله بدقة وبجودة متميزة وبسرعة، فبدلًا من أن يُكرِمُونه ويكافئونه بالتقدير أو الترقية أو حتى الاعتراف بجودة عمله والثناء عليه، نجدهم يكافئون هذا الموظف المحترف بمزيد من العمل، والتكليفات المتعددة، وفي المقابل يظل الموظف الكسول في منطقة الراحة لأنه ببساطة بطيء، فلا يَعتمد عليه أحدٌ في العمل. والنتيجة هنا هي استنزاف المتميزين من أجل تعويض تقصير الموظفين الضعفاء.
إنَّ المعادلة المعكوسة هذه، تتسبب في راحة الموظف الكسول، وعدم محاسبته من قبل أي أحد، أما الموظف الماهر فيتعرض للاحتراق الوظيفي، ويعاني من الإحباط الشديد وعدم الرضا؛ بل يصل به الأمر إلى عدم الشعور بالولاء تجاه منظمته الساكنة والميتة.
والقيادة السيئة هي التي تدفع الموظف المجتهد المُحِب لمنظمته، إلى مراجعة نفسه والشعور بأن تميُّزه أصبح عبئًا ثقيلًا عليه وليس ميزة تُميِّزُهُ؛ فيقرر ترك العمل، وهذا يحدث عندما يغيب العدل، ويتحول الاستسهال لمنهج مدير فاشل يوزع المهام على المتميزين، ويترك الضعفاء ميتون في حالة سكون وظيفي، وغباء إداري.
وأمام حالة السكون و"الموت الوظيفي" للموظفين الضعفاء، وكثرة عمليات هجرة الأكفاء، نلاحظ أن المدير المهزوز والضعيف إداريًا، يتنفس الصعداء لكونه قد استطاع الحفاظ على الموظفين الضعفاء، والذين هم على شاكلته وتحت طوع يده، وأنه قد تخلص أخيرًا من الأكفاء المحترفين والمتميزين لكونهم يسببون له الإزعاج، ويكشفون ضعفه، فيظل يتسيَّد المشهد وسط بيئة ميتة مليئة بالرواسب الناتجة عن مخرجات مجموعة من عديمي الكفاءة.
إنَّ المنظمات في هذه الحالة ستبدو هادئة، ولكنها في الحقيقة "ميتة" بلا إبداع أو تطوير أو جودة في الأداء، بلا مستقبل.
والنصيحة الآن لك عزيزي القارئ ولكل المبدعين، ولكل الموظف المهرة، عندما تجدوا منظمةً قد هرب منها كل الأكفاء، وما زالوا يهربون، فعليكم الهروب منها فورًا، فتميُّزُكُم له قيمة كبيرًا فعلًا، ولكن صحتكم النفسية وتقديركم لذواتكم أهم بكثير من أي أرقام مالية.
إنَّ العمل في المنظمات الراكدة يُشبه تمامًا العمل في البحر الميت والذي يبدو شكله ثابتًا، لكنه بلا حياة. وإذا أردت الحياة، فعليك أن تنجو بنفسك، وإذا أردت التميُّز فعليك انتقاء العمل في منظمات لها سُمعة طيبة، ويعمل بها مديرون محترفون. وعليك ألّا تقبل الاستمرار في العمل في بيئة عمل سامّة، لأنك كموظف متميز ستكون بالنسبة لتلك البيئة مصدرًا للإزعاج، وخاصة للمديرين الضعفاء!
وعليك أن تعلم- عزيزي القارئ- أن الوعي والتميز لا يشعر منهما الشخص السليم بالقلق أو الإزعاج، لكن الشخص المريض نفسيًا الذي تعود على الخلل يشعر بذلك. وهذا هو سبب كراهية مديرك لك، وتفضيله تكريم الضعفاء، وغير الأكفاء، وتقرير استمرارهم بالرغم من ضعفهم الشديد.
إيَّاك أن تقبل الاستمرار في العمل تحت إمرة مثل هذا المدير؛ فهو مدير غير فعّال، وغير جدير بالإدارة، وعليك أن تُحافظ على روحك المعنوية ورأس مالك النفسي، واترك المنظمات الميتة فورًا؛ فالرزاق بيد الخالق سبحانه وتعالى، وعلى حسب نواياكم تُرزقون.
** أستاذ إدارة الأعمال بجامعة القاهرة، وخبير التطوير الشخصي والمؤسسي، ومستشار التمتين الإداري
