صبحي حسن
عالمنا اليوم تكثر فيه التحديات يوماً بعد يوم، ونحن نعوم وسط تلك التحديات إن لم نكن قد غرقنا فيها حقًا، وإذا أردنا أن نكون منصفين مع أنفسنا، نتساءل هل نجد فارقًا في حياتنا اليومية بين الأمس واليوم في المشاعر والمعتقدات ونظرتنا للأمور يختلف عن اليوم الذي مضى؟
يقول الإمام الصادق "من تساوى يوماه فهو مغبون.." (المغبون من خسر أيامه وساعاته بغير نتيجة أو عمل فخرج من الدنيا خائبًا)، ويقول الإمام السجاد في صحيفته دعاء يوم الأحد "واجعل غدي وما بعده أفضل من ساعتي ويومي".
ذُكر اليوم وذُكرت الساعة التي هي جزء من اليوم؛ حيث نكون في حالة من التطور والكمال الذاتي واستغلال الأوقات للارتقاء الإيماني والعقائدي؛ فالتقاعس والكسل مرفوضان في الإسلام، والإنتاج والعطاء مطلوبان.
الإعلام هو سيد الموقف في حياتنا بكل ما للمعنى من كلمة، دون مبالغات أو شطحات أو غلوٍ، نضرب له تحية سلام وننكس له الرؤوس، يقلب مشاعرنا وأفكارنا، يوجه نظرتنا للأمور، كل حسب ثقافته وموقعه رغم أن ما يبثه من محتوى يظهر للعيون ويطرق الأسماع سواء لا فرق. هذا الإعلام يظهر بمذاهب شتى وفنون عديدة، يدس في ثناياه ما خفي عنَّا، ويمر وكأنه الواقع أو طبق الأصل.
حياتنا اليومية مليئة بالأصوات والضجيج، من أصوات مركبات جمع القمامة وهي تزمجر في بواكير الصباح قرب بيوتنا، إلى أصوات الطائرات وهي تحلق فوق رؤوسنا، والكثير مما يصعب حصره. هذه الأصوات اعتدنا عليها وأصبحت جزءًا من حياتنا اليومية لأنه الواقع الذي نعيشه. ما يميز تلك الأصوات أنها لا تختبئ وراء ستار أو تمويه، هي رديفة لها أصيلة، كصوت الماء عندما ينساب، والأصوات المنبعثة من الزجاج عندما ينكسر، هذه الأصوات لا حيلة لنا في إيقافها أو خرسها.
هناك أصوات ليست أصيلة في وجودها، لكنها دُسَّت قسرًا وعمدًا. على سبيل المثال عندما يتم بث مقطع مصور لمناظر طبيعية، تصدح موسيقى خلفية معها ليست أساسًا من الطبيعة في شيء ولا لها واقع مطابق. شخصيًا عندما أشاهد تلك المقاطع أخرس الموسيقى وأطلق العنان لمشاعري وخيالاتي، لا أنصاع لمن يسمعنا انفعالاته المزاجية الرنانة وكأنه تحليل للطبيعة!
وهناك أصوات أخرى أخطر من سابقتيها محل حديثنا، أصوات خفية توسوس في أذنيك وتلاحقك وهي مبطنة. ورد في سورة طه الآية 120 قول الله تعالى: "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ" لم يكن هناك حوار منطوق بين آدم عليه السلام والشيطان عليه اللعنات، بل حديث باطني خفي وهمس، وأين تجد أفضل من الإعلام لهذه الأداة الفاعلة؟!
أداة خرساء سماعية الهوى، تتكلم وتنطق ضمناً وخفاء، لتعزز ما نشاهده أو نسمعه من محتوى، توجه المشاعر وتخلق الأجواء كالحزن أو الفرح أو التشويق أو الإثارة. ظاهرها يساعد ويشجع على المتابعة، والانتقال السلس بين اللقطات والمقاطع. هي حيلة خفية تعزز السردية من خلال تزاوج الموسيقى كشخصية صامتة مع الحدث والصورة، فتعمل وراء الكواليس لتخلق جوا مناسبا لمشهد مطلوب مما يُساعد على الانغماس فيه.
الموسيقى ليست مجرد "خلفية" عشوائية إعلامية، هي شبكة عنكبوتية تشبكنا في براثنها وأذرعها الممتدة على طول المحتوى وعرضه كمادة إعلامية متممة. الذين عاشوا فترة الخمسينيات والستينيات وحتى بداية السبعينيات من القرن الماضي، كان المذياع هو الأداة الوحيدة لمعرفة الأخبار سماعا ولم تكن هناك رفاهية الإعلام الحالي من تحليلات وتقارير. القرآن الكريم صوَّر هذه الحالة وأمثالها في سورة الكهف موقف النبي موسى عليه السلام مع الخضر عندما طلب مرافقته، فحذره الخضر "قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا" (الكهف: 67)، فهناك الحدث وهناك التبرير "وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا" (الكهف: 68).
هناك أمور غيبية لا يمكننا التقاطها أو الإحاطة بها لأنها خارجة عن راداراتنا وحواسنا الذاتية، فكيف بما يدور على امتداد مواضع أقدامنا. عندما لا نحصل على تبريرات للأحداث، نبدأ بالأخماس والأسداس والتعليق الذي لا يطابق حال تلك المشاهد أو الواقع تأويلا، وإن كان ظاهرها يبدو مبررًا ومنطقيًا عقلًا.
يقول الكاتب الروسي أنطون تشيخوف عن طبيعة المجتمعات، توجد ألف كلمة خرقاء إزاء كل كلمة واعية.. الأغاني والكلمات التي لا معنى لها تجد ملايين الناس يرقصون ويرددونها، ويصبح صاحب الأغنية مشهورا ومعروفا ومحبوبا، بل حتى الناس يأخذون رأيهم في شؤون حياتهم.. يخدروننا بالتفاهة والضحك، من شخص يوقظنا للواقع ويؤلمنا بقول الحق. إننا نحب الهدوء الذي فيه الضجيج... ونكره الهدوء الخالي من الضجيج، لإشغال العيون، وإشغال الآذان، وإشغال العقل والوجدان وكأننا في غرف فندقية كاملة الإشغال؟ نحن بحاجة ماسة الى التقنين ووضع الشيء المناسب في المكان المناسب دون اسفاف او تلاعب او بهرجة.
علينا أن نسعى الى الوعي الإعلامي قبالة المحتوى الإعلامي لتحرير العقل، وتعلم مهارات حول كيفية التعامل مع تدفق المعلومات في العصر الرقمي وغربلتها. المكونات الإعلامية تتطور وتنتفخ وتسمن بمغذيات متنوعة، يتم دسها لتسمينها وتضخيمها وتفخيمها، الموسيقى إحدى هذه المكونات؛ فالإقناع أصبح فناً وصناعة ضخمة، فهناك دائما وقائع وشواهد، وهناك التزييف والتحنيط.
وقد تمر على مقطع خلفيته صوت قهقهة سمجة منبوذة، أضيفت على مقطع لانتزاع ضحكة عنوة. وقد تمر على مقطع به خلفيات ملونة مبهرة وموسيقى نشاز والمحتوى تافه، وهناك الجاد الرصين الذي يحتوي على وجبة صحية.
إنه من الأهمية بمكان التأكد والتريث من المحتوى الذي نشاهده ونعاينه، ألا يكون به ما يسيء إلى الدين أو العقل أو التقاليد والأعراف المقبولة، وعلى أقل تقدير أن يكون منسجما مع الواقع أو يطابقه، فإن عدمه يقودنا إلى الظن والتخرُّص، الذي بدوره يقودنا إلى التساهل والتهاون، فنجعل من أنفسنا حكما، ونكون مضللين لغيرنا من غير قصد أو عن قصد.
يقول الله تعالى في سورة النساء الآية 83 "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا".
