د. إبراهيم بن سالم السيابي
في خضم التصعيد العسكري الأخير، وما شهدته المنطقة من مواجهة استمرت أكثر من 40 يومًا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تكشّف واقعٌ كان يُدارى طويلًا: الخليج لم يعد بعيدًا عن دائرة الخطر، بل أصبح في قلبها.
لقد ساد لسنوات اعتقاد بأن المظلة الأمنية التي توفرها التحالفات الدولية كفيلة بحماية دول الخليج من أي تهديد خارجي. غير أن مجريات هذه الحرب أظهرت أن هذه الفرضية لم تعد دقيقة كما كان يُظن، خصوصًا عندما تحولت القواعد العسكرية إلى أهداف مباشرة، وأصبحت بعض دول المنطقة جزءًا من مسرح العمليات، شاءت أم أبت.
هذا لا يمنح أي طرف شرعية لاستهداف أراضٍ ذات سيادة، ولا يبرر تعريض المدنيين والمنشآت للخطر، لكنه في الوقت ذاته يفرض قراءة واقعية: وجود هذه القواعد لم يكن عامل ردع كافيًا، بل ربما أصبح في لحظة معينة مصدر تهديد إضافي.
أما الأهداف المعلنة للحرب، من كبح البرنامج النووي الإيراني، إلى الحد من تطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وصولًا إلى طرح مسألة تغيير النظام، فهي أهداف متفاوتة من حيث الواقعية والمشروعية. فبعضها كان يمكن أن يُناقش على طاولة التفاوض؛ بل إن مسارات الحوار كانت قائمة بالفعل. أما مسألة تغيير الأنظمة بالقوة؛ فهي تفتح بابًا إشكاليًا يتجاوز القانون الدولي إلى سؤال أخلاقي لا يمكن تجاهله، خاصة في عالم يشهد ازدواجية واضحة في المعايير.
وفي قراءة أوسع، لا يمكن فصل هذه الأهداف عن سياقاتها الاستراتيجية؛ حيث يرى البعض أن هذه الحرب قد تُسهم في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بما يخدم أمن إسرائيل، وفي الوقت ذاته تعكس حرصًا أمريكيًا مستمرًا على ضمان تدفق الطاقة والتحكم في ممراتها الحيوية، في منطقة لا تزال تمثل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد العالمي.
والنتيجة الأبرز لهذه المواجهة لم تكن عسكرية بقدر ما كانت اقتصادية واستراتيجية. تعطلت الموانئ، وتباطأت حركة الطيران، وارتفعت كلفة التأمين والنقل، وتعرضت سلاسل الإمداد للاهتزاز، إلى جانب تداعيات أخرى طالت الاستثمارات، وثقة الأسواق، واستقرار الإمدادات الحيوية. كما أن أي اضطراب أو إغلاق لممرات حيوية مثل مضيق هرمز ينعكس فورًا على اقتصادات المنطقة، بل وعلى الاقتصاد العالمي بأسره، في ظل اعتماد يقارب خُمس إمدادات الطاقة العالمية على هذه المنطقة.
ومن هنا تتضح الأهمية الاستثنائية لدول الخليج، ليس فقط ككيانات سياسية، بل كمراكز ثقل اقتصادي عالمي ترتبط بها استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، وهو ما يجعل أي اضطراب فيها يتجاوز حدودها الجغرافية ليصل إلى مختلف أنحاء العالم، بما يؤكد أن استقرارها لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل جزءًا من استقرار الاقتصاد العالمي.
لكن الخطر الأعمق، وربما الأقل وضوحًا، هو ما قد تخلّفه مثل هذه الأزمات من تباينات في المواقف داخل البيت الخليجي نفسه. فحين تختلف الحسابات، وتتباين القراءات، يصبح من السهل أن تتحول الأزمة من تهديد خارجي إلى حالة فرقة داخلية. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: أن تتحول الحرب من عامل ضغط يوحّد الصف، إلى سبب غير مباشر لتباعده.
الفُرقة ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هي ثغرة يُعاد من خلالها تشكيل موازين القوة. وما يُقرأ كاختلاف عابر، قد يُستثمر خارجيًا كضعف بنيوي. والتاريخ القريب يعلّمنا أن التحديات الكبرى لا تُهزم فقط بالقوة، بل أحيانًا تُحسم بتفكك الخصوم. والأخطر من ذلك، أن تمتد هذه التباينات من مستوى السياسات إلى مستوى الشعوب، فتتسرب الخلافات إلى الرأي العام، وتضعف تلك اللحمة الاجتماعية الخليجية التي شكّلت عبر عقود أحد أهم مصادر القوة والاستقرار في المنطقة.
كل ذلك يضع دول الخليج أمام سؤال حقيقي: ما الذي بقي من معادلة الأمن التقليدية؟ وما الخيارات المتاحة لضمان الاستقرار في عالم سريع التحول؟
قد لا يكون من الواقعي الحديث عن قوة عسكرية خليجية قادرة على موازنة القوى الكبرى، لكن من الواقعي جدًا الحديث عن قوة من نوع آخر: قوة الاتحاد، وتكامل المصالح، ووحدة القرار في القضايا المصيرية. فالتحديات المشتركة لا يمكن مواجهتها بردود فردية متفرقة.
وفي هذا السياق، يبرز خيار لا يقل أهمية: تنويع الشراكات الدولية، بحيث لا يبقى الأمن أو الاقتصاد مرهونًا بمحور واحد، بل ضمن شبكة علاقات متوازنة تتيح هامش حركة أوسع، وتقلل من كلفة الارتباطات الحصرية في لحظات الأزمات.
ولا يقل أهمية عن ذلك، بناء مقاربة إقليمية أكثر وضوحًا تقوم على الحوار الصريح مع دول الجوار، وتحديد أسس العلاقة بشكل شفاف، بما يضمن احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورسم خطوط عريضة للتعاون والتعايش وفق مصالح مشتركة تُخفف من احتمالات التصعيد، وتُعزز الاستقرار في المنطقة.
ويبرز عامل لا يقل أهمية ألا وهو الجبهة الداخلية؛ فكلما كانت الدولة أكثر تماسكًا، وأكثر إشراكًا لمجتمعها في تحمل المسؤولية وصناعة القرار، ازدادت قدرتها على الصمود في وجه الأزمات. الأمن لا يتحقق فقط بالسلاح، بل أيضًا بالثقة، والعدالة، والشعور المشترك بالمصير.
ويبقى الأمل معقودًا على القيادات الخليجية، بما عُرف عنها من حكمة في إدارة الأزمات، وسعيٍ دؤوب لتحقيق الاستقرار ومصالح شعوبها، في مواجهة مرحلة تتطلب قدرًا أعلى من التماسك والرؤية المشتركة.
في الختام.. تكشف هذه المرحلة أن معادلات الأمن في الخليج لم تعد كما كانت تُفهم لعقود طويلة. لم يعد ممكنًا الاعتماد بشكل كامل على ترتيبات خارجية وحدها، ولا على تحالفات تتغير أولوياتها بتغير الظروف. فالأمن، في جوهره، ليس حالة تُستورد أو تُستعار، بل منظومة تُبنى داخليًا وتُختبر في لحظات الشدة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام دول الخليج اليوم مزدوجًا: تنويع الشراكات الخارجية بما يحقق التوازن ويقلل من الارتهان، وفي الوقت نفسه تعزيز تماسك الجبهة الداخلية وحمايتها من أي تصدعات قد تُضعف القدرة على مواجهة التحديات المشتركة. فالقوة لا تُقاس فقط بما يُواجه في الخارج، بل أيضًا بما يُحسم في الداخل.
وفي زمن تتداخل فيه الأزمات وتتسارع فيه التحولات، تصبح الحاجة أكبر إلى رؤية خليجية أكثر تماسكًا، تُدرك أن ما يجمعها أعمق بكثير مما قد يفرقه الظرف أو اللحظة. لأن الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات قوة، بل بما تمتلكه من قدرة على الحفاظ على وحدتها حين تشتد العواصف.
ويبقى الدرس الأهم أن الخليج يقف اليوم أمام اختبار حقيقي، عنوانه ليس فقط إدارة الأمن من الخارج، بل إعادة بنائه من الداخل، في معادلة تتجاوز الشعارات إلى الواقع… بين الأمن والتحولات.
