الأمن الخليجي.. جوار مُر وبدائل أشد مرارة

 

 

 

صالح الحارثي **

وقعت الدول الخليجية منذ استقلالها وحدوث الطفرة النفطية فيها وحتى اليوم بين كماشة المخاوف من القوة والنفوذ الإيراني المتنامي، ومخلب المطامع الأمريكية الإسرائيلية المتنفذة.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر واحتلال الولايات المتحدة للعراق اشتغل صانعو السياسات والحروب الأمريكية الإسرائيلية، على مبدأ فرق تسد لضرب الوحدة العربية فادخلوا بجانب الإرهاب مصطلحا آخر أشد فتكا وضراوة وهو الطائفية فسرى في المنطقة سريان النار في الهشيم وانقسم العرب بين ناقم على إرهابي مجنون وساخط على إخواني مذموم وكافر بطائفي ملعون ومن ذلك كرست المنطقة سياسات بسط النفوذ ومراكز القوة بدلا من التركيز على العدو المشترك والمصالح المشتركة.

 ومع هذا الهرج والمرج اشتعل كذلك الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وأصبح الكل يبيع ويشتري في سوق الفتنة والنخاسة جسد العروبة النازف بأبخس الأثمان فتسابق الجميع من عامة الناس وخاصتهم في إلقاء تهم وأوصاف أخرى جديدة على ذلك الجسد المتهالك زادت على ما جاء به أعداء الأمة من سموم مثل متأيرن منبطح متصهين مطبع رافضي خارجي داعشي مجوسي وما إلى ذلك من التعريفات التي لم تكن في الأصل موجودة في قواميس العرب ولا في ثقافتهم وطبيعة حياتهم الاجتماعية، فشقت الناس إلى نصفين هذا من شيعتي وهذا من عدوي.

لكن مع هذا كله بقيت القضية الفلسطينية راسخة رسوخ الجبال في وعي واهتمام الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج ولو اختلفوا ظاهرا، وبقي ملف التطبيع مترنحاً ينقل قدماً إلى الأمام ويعود بأخرى الى الخلف وخاصة في الخليج باعتباره الحلقة الأصعب ضمن خطة التطبيع المستهدفة في المنطقة.

ولما لم تجد المحاولات الأمريكية الفاشلة تلك طريقاً لكسر الإرادة الخليجية كان لا بُد عندئذ من تفجير المنطقة برمتها على رؤوس الأشهاد؛ فكانت هذه الحرب المفتعلة بحجة وقف التمدد الشيعي وتدمير برنامج السلاح النووي الإيراني والصواريخ البالستية كمهددات للأمن القومي العربي والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط وهي حجج في الحقيقة  لا ترقى لأن تنزلق المنطقة برمتها هذا المنزلق الخطير الذي لا يمس فقط أمن الخليج؛ بل وشريان الاقتصاد العالمي في الوقت الذي كان بالإمكان حلحلتها والتفاهم عليها بالحوار البناء ومد جسور الثقة.

في هذه الحرب وقع الاثنان في الفخ الذي نصب لهما، فإيران بدلاً من أن تصب جام غضبها على إسرائيل وتكسب تأييد العرب من جديد، أساءت التقدير وكررت نفس الخطأ الذي وقع فيه صدام حسين؛ فأطلقت صواريخها شمالا ويمينا وفي كل الاتجاهات وطالت في الخليج ما لم تطله في إسرائيل من أهداف فتلاشى ما بقي من ود وانعدمت الثقة وتحقق ما كانت تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل.

ودول الخليج بدلا من أن تسعى إلى التهدئة والتركيز على الحلول السلمية اعتقدت أن في الحرب فرصة ثمينة للتخلص من النظام الإيراني معتقدة إياه صيدا سهلا وأن الأمر لن يستغرق سوى أسبوعين فقط وفق التدليس الأمريكي متناسية حرب الثمان سنوات التي عاشتها المنطقة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي بين العراق وإيران وفضيحة "إيران جيت" من خلال صفقات السلاح الأمريكية للعراق، والإسرائيلية لإيران بهدف استنزاف الطرفين وإطالة أمد الحرب بينهما وهو المشهد الذي يتكرر الآن مرة ثانية في نفس المنطقة وبين نفس الاطراف.

فالولايات المتحدة واسرائيل ذات المطامع الاستراتيجية الواضحة في المنطقة شنّتا منذ إنشاء الأخيرة عام 1948 وحتى اليوم بقصد الهيمنة، أكثر من 20 حرباً رئيسية كبرى في الشرق الأوسط غير الهجمات السريعة الخاطفة، راح ضحيتها ما يزيد عن المليون شهيد ومثلهم من الجرحى والمصابين علاوة على الخسائر الاقتصادية المباشرة والتي تزيد عن 5 تريليونات دولار، إضافة إلى التخريب والتدمير الواسع في البنية التحية وزعزعة الأمن والاستقرار في الدول العربية.

على إيران الآن أن تنقذ ما يمكن إنقاذه فحسن الجوار يتطلب إثبات حسن نية بعيدًا عن التدخلات والسياسات المبهمة، وعلى دول الخليج كذلك ألا تأخذهم العزة بالإثم فيميلوا إلى الجانب الأمريكي؛ فأمريكا زائلة إن لم يكن اليوم فغدا، وإيران بحكم الجغرافيا باقية في الخليج ووجودها فيه متعاونة ومسالمة خير من وجود دولة الاحتلال الصهيونية النووية المتهمة بالإبادة الجماعية وأمريكا الطامعة والمبتزة والمثيرة للفتن والحروب والانقسامات.

** سفير سابق

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z