مجلس التعاون الخليجي.. هل حان وقت الاتحاد؟

 

 

 

أحمد الشيخ عبدالله الفضالة **

fadala1@gmail.com

 

«من أبوظبي 1981 إلى تحديات 2026… الخليج الذي رفض الانقسام».

مجلس التعاون لدول الخليج العربية… تجربة وحدوية راسخة صنعت الأمن والاستقرار والتنمية، وتستحق أن تتطور نحو اتحاد خليجي تعاوني يحفظ المصير المشترك للأجيال القادمة.

في الخامس والعشرين من مايو عام 1981م، شهدت أبوظبي ولادة واحدة من أنجح التجارب العربية المعاصرة بإعلان قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليبدأ فصل جديد في تاريخ المنطقة قائم على التعاون والتكامل وحماية المصير المشترك لشعوب الخليج العربي.

جاء تأسيس المجلس في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية؛ فالمنطقة كانت تعيش تداعيات الثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية، وتصاعد التوترات الدولية، ما دفع قادة الخليج إلى إدراك أن الأمن والاستقرار والتنمية لا يمكن أن تتحقق بصورة منفردة، بل عبر كيان خليجي موحد ينسق المواقف ويحمي المصالح ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا.

واليوم، وبعد نحو 45 عامًا من ذلك الإعلان التاريخي، يقف المجلس شاهدًا على تجربة عربية نادرة استطاعت أن تصمد وتتطور وتحافظ على حضورها وتأثيرها رغم ما شهدته المنطقة والعالم من أزمات وتحولات عاصفة.

لقد أثبت مجلس التعاون خلال العقود الماضية أنه لم يكن مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات والقمم؛ بل مشروع استراتيجي متكامل نجح في تحقيق إنجازات ملموسة في مختلف المجالات. فمنطقة التجارة الحرة، ثم الاتحاد الجمركي، فالسوق الخليجية المشتركة، وصولًا إلى مشاريع الربط الكهربائي وسكة الحديد الخليجية، كلها مثلت محطات مهمة في بناء منظومة خليجية أكثر ترابطًا وتكاملًا.

ولعل أبرز ما يُميز التجربة الخليجية أنها تحولت من فكرة سياسية إلى واقع يعيشه المواطن الخليجي يوميًا. فقد أتاحت السوق الخليجية المشتركة حرية التنقل والعمل والتملك والاستثمار والتعليم والعلاج بين دول المجلس، حتى أصبح المواطن الخليجي يشعر بأنه يتحرك داخل فضاء واحد تتقارب فيه الأنظمة والخدمات والفرص.

وتشير البيانات الخليجية الحديثة إلى حجم هذا الترابط؛ إذ تجاوز حجم التجارة البينية الخليجية 146 مليار دولار، فيما تنقل أكثر من 41 مليون مواطن خليجي بين دول المجلس خلال عام 2024م، إلى جانب مئات الآلاف من العاملين والمستثمرين والطلبة المستفيدين من الخدمات المختلفة في الدول الأعضاء.

كما برز مشروع الربط الكهربائي الخليجي بوصفه نموذجًا ناجحًا للتكامل الاستراتيجي، بعدما أسهم في دعم أمن الطاقة الخليجي وتقديم آلاف حالات الدعم الطارئ لشبكات الكهرباء، محققًا وفرًا اقتصاديًا تجاوز 5 مليارات دولار حتى نهاية عام 2025م.

أما مشروع سكة حديد الخليج، فيمثل أحد أهم المشاريع المستقبلية التي يُنتظر أن تعزز حركة التجارة والاستثمار والتنقل بين دول المجلس، وتدعم بناء اقتصاد خليجي أكثر تكاملًا وترابطًا.

وفي المجال الأمني والعسكري، شكّل تأسيس قوة «درع الجزيرة» واتفاقية الدفاع المشترك خطوة مفصلية في بناء منظومة أمن جماعي خليجية، تقوم على أن أمن أي دولة عضو هو أمن للجميع، وأن أي تهديد يستهدف دولة خليجية إنما يستهدف المنظومة بأكملها.

وقد أثبتت الأحداث المتلاحقة أهمية هذا التماسك، بدءًا من الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بغزو الكويت، ووصولًا إلى التحديات الأمنية والإرهابية المعاصرة، وما شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة من عدوان إيراني على دول الخليج، وتهديدات للممرات البحرية وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.

كما كشفت التطورات الحديثة أن التحديات لم تعد تقليدية فقط، بل أصبحت تشمل الأمن السيبراني، والحروب الإعلامية، وسلاسل الإمداد، والتحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة، وهو ما يجعل الحاجة إلى موقف خليجي موحد أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

ورغم ما مرّ به المجلس من خلافات وأزمات، فإن التجربة الخليجية أثبتت قدرة كبيرة على الاحتواء والتجاوز، انطلاقًا من إدراك عميق بأن تكلفة الانقسام أكبر بكثير من تكلفة الخلاف، وأن وحدة الخليج تمثل صمام أمان للمنطقة كلها.

ومن هنا، يبدو السؤال المطروح اليوم أكثر وضوحًا: هل ما زالت مرحلة “التعاون” كافية لمواجهة تحديات المستقبل؟ أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة “الاتحاد الخليجي” بصيغة تعاونية أو كونفدرالية تحفظ سيادة الدول، لكنها تمنحها في الوقت ذاته قوة جماعية أكبر في السياسة والاقتصاد والدفاع والتنمية؟

العالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى، والقوة أصبحت تقاس بقدرة الدول على بناء تحالفات اقتصادية وأمنية واستراتيجية متماسكة. وإذا كانت تجارب عالمية عديدة قد نجحت في بناء اتحادات رغم اختلاف اللغات والثقافات، فإن دول الخليج تمتلك من المشتركات التاريخية والاجتماعية والدينية والثقافية ما يجعل فكرة الاتحاد أكثر واقعية وقابلية للتحقق.

كما أن الأجيال الخليجية الجديدة نشأت على مفهوم “الخليج الواحد”، ولم تعد ترى في الحدود النفسية القديمة واقعا مستمرا كما كان قبل تأسيس المجلس. وهذا الوعي الشعبي المتنامي أصبح يشكل قاعدة حقيقية لأي مشروع تكاملي أعمق خلال السنوات المقبلة.

إن مجلس التعاون بعد 45 عامًا لم يعد مجرد مشروع تنسيقي، بل أصبح ضرورة استراتيجية ومظلة استقرار لشعوب الخليج. ومع تسارع التحولات العالمية في الاقتصاد والطاقة والتقنية والذكاء الاصطناعي، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا للانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة الاتحاد الخليجي الأكثر قوة وفاعلية.

فما جمعه التاريخ والدين والجغرافيا والمصير، يستحق أن يتحول إلى مشروع وحدوي أكثر رسوخًا، يحفظ استقرار المنطقة، ويعزز مكانتها الدولية، ويؤسس لمستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا للأجيال القادمة.

وفي الذكرى الخامسة والأربعين لقيام مجلس التعاون، تبقى الأمنية الكبرى أن يتحول هذا الكيان الناجح من مرحلة التنسيق إلى اتحاد خليجي حقيقي، يجعل من الخليج قوة إقليمية متماسكة قادرة على حماية أمنها وصناعة مستقبلها بثقة واقتدار.

فحين تتكاثر التحديات حول الأوطان، تصبح الوحدة الخليجية ضرورة مصيرية… لا خيارًا سياسيًا عابرًا. فهل يتحقق الحلم ليكون خليجنا واحد حقيقة لا حلمًا.

________________________________________

المصادر:

•        وثائق من موقع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

•        ملف: أبرز إنجازات العمل الخليجي المشترك في المجال الاقتصادي والتنموي – مايو 2026م.

•        مقال: «خليجنا واحد.. نداء من شعوب الخليج إلى قادة دول المجلس» للكاتب م. عبدالله الرخيص.

•        مادة مرئية لقاء مع د فوزي بهزاد عبر منصة يوتيوب.

** عضو جمعية الصحفيين البحرينية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z