أريد رطبًا جنيًا

 

 

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدي **

في عُمان تتدلى ذاكرة الثقافة العربية من عذوق النخيل، فمنذ أن عرف الإنسان أرض الصحراء، كانت النخلة شجرةً استثنائية لا تشبه سواها؛ فهي لا تمنح الثمر فحسب، بل تمنح الحياة نفسها.

وقد ارتبطت هذه الشجرة المباركة بالوجدان العربي ارتباطًا عميقًا حتى غدت رمزًا للكرم والصبر والعطاء.

وفي القرآن الكريم تتجلى مكانتها في مواضع عديدة، ولعل من أبلغها قول الله تعالى مخاطبًا السيدة مريم عليها السلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، فكان الرطب غذاءً ورحمةً وسكينةً وقرة عين في لحظةٍ من أعظم لحظات التاريخ الإنساني.

وعرف العرب النخيل قبل الإسلام بقرون طويلة، وجعلوا مواسمه مناسباتٍ للفرح والرزق، ورأوا في ثماره زادًا لا يستغنون عنه في حلهم وترحالهم. غير أن علاقة العُمانيين بالنخلة تجاوزت حدود الغذاء والاقتصاد، لتصبح جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والاجتماعية، حتى يصعب الحديث عن تاريخ عُمان دون أن تلوح في الأفق ظلال النخيل الممتدة على ضفاف الأفلاج وبين الواحات والقرى.

ومع إطلالة فصل الصيف من كل عام، يبدأ موسم الرطب في سلطنة عُمان، فتتغير ملامح الحياة اليومية في كثير من القرى والولايات.

 إنه موسم تنتظره الأسر كما يُنتظر قدوم ضيف عزيز، إذ تعود موائد البيوت لتستقبل أولى بشائر الرطب، وتتجدد أحاديث النَّاس حول أصناف النخيل ومواعيد نضجها وجودة ثمارها.

 ولا يُنظر إلى الرطب في الثقافة العُمانية على أنه مجرد محصول زراعي، بل هو مناسبة اجتماعية متوارثة تحمل في طياتها معاني الألفة والتكافل. فما إن تنضج الثمار حتى تبدأ عادة الإهداء والتهادي بين الأقارب والجيران والأصدقاء، فتتنقل سلال الرطب من بيت إلى آخر حاملة معها رسائل المودة أكثر مما تحمل من الثمار.

وكثيرًا ما يرتبط وصول الرطب إلى المنزل بفرحةٍ تشبه فرحة المواسم والأعياد، إذ يجتمع أفراد الأسرة؛ لتذوق أول الثمار ومقارنة مذاقاتها وألوانها ودرجات نضجها.

وفي الذاكرة العُمانية الشعبية يحتل الرطب مساحة واسعة من الحكايات والأمثال والأغاني والأشعار. فقد تغنى الشعراء بالنخلة بوصفها رمزًا للأصالة والثبات، واستلهموا من عذوقها صورًا جمالية تفيض بالمعاني الإنسانية. كما ارتبطت النخلة بالعمل الجماعي؛ فالعناية بها وجني ثمارها كانت على الدوام مناسبةً يتشارك فيها أفراد الأسرة وأبناء القرية، مما عزز روح التعاون والتآلف بين الناس.

ومن جمال هذا الموسم أنه يجمع بين عبق الماضي وحيوية الحاضر. فعلى الرغم من التطور العمراني والتقني الذي شهدته السلطنة، ما زال الرطب يحتفظ بمكانته الخاصة في النفوس، وما زالت الأسواق تستقبل باكورة الثمار بشغفٍ كبير، وما زالت المجالس العُمانية ترى في طبق الرطب عنوانًا للترحيب والكرم وحسن الضيافة.

إن الرطب في عُمان ليس ثمرةً تُؤكل فحسب، بل حكاية وطنٍ امتدت جذورها في الأرض كما امتدت جذور النخيل نحو السماء. وحين تتدلى العذوق الذهبية في مطالع الصيف، يشعر العُماني أن موسمًا من الذكريات قد عاد، وأن النخلة ما تزال تكتب فصولها القديمة في حياة الناس، جيلًا بعد جيل، محافظةً على حضورها بوصفها شاهدًا على التاريخ، ورمزًا للخير، ورفيقةً دائمةً للإنسان العُماني في رحلته مع الأرض والزمان.  

في حين تبدو النخلة كحضارة تسكب من ذاكرتها ثمارًا نضجت على مهلٍ بين الماء والتراب والصبر، وحنينا إلى البيوت القديمة، وإلى ظلال الأفلاج، وإلى الأيدي التي غرست وسقت وانتظرت.

 في موسم الرطب، عُمان لا تجني ثمار النخيل وحدها، بل تجني معها ذاكرةً إنسانية كاملة، لذلك يبقى النداء يتردد في قلوب الناس وحكاياتهم الصغيرة كلما أقبل الصيف وأشرقت العذوق على القرى والواحات: "أريدُ رُطَبًا جَنِيًّا".

** شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z