ريم الحامدية
في لحظة لا تشبه غيرها، قد لا يكون ما يوقظك كتابًا جديدًا ولا فكرة عابرة، بل حديث قديم تعرفه منذ زمن، لكن هذه المرة لم يمر عليك كما اعتدت. هناك نصوص لا تتغير، لكننا نحن من نتغير، فنراها بعيون جديدة، وكأننا نسمعها لأول مرة.
وهكذا تماماً ما حدث معي، اليوم وأنا أفتح جهاز الكمبيوتر لأكتب مقالي المُعتاد، استوقفني حديث نبوي شريف، لعلنا نسمعه في كل مكان وأكاد أجزم بأن الجميع يحفظه، مرّ عليّ كثيرًا، لكنه هذه المرة لم يمر مرورًا عابرًا؛ بل سكن في نفسي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق". وكأنها لم تُقل من قبل، وكأنها قيلت الآن، لي أنا، لنا نحن، لهذا الزمن المزدحم بكل شيء، إلا بالسكينة التي تمنحها الأخلاق.
توقفت طويلًا أمام هذا الحديث، لا لأفهم معناه؛ فالمعنى واضح كالشمس، بل لأفهم نفسي من خلاله، كيف يُمكن لحديث من خمس كلمات وبهذا الاختصار أن يختصر رسالة؟ أن يختصر نبيًا؟ أن يختصر طريقاً كاملاً للحياة.
"لأُتمِّم".. يا لهذا التواضع والجمال في كلمة واحدة، لم يأتِ ليُلغي، بل ليُكمل شيئًا ناقصًا فينا، شيئًا نعرفه بالفطرة، لكننا نُهمله كلما استعجلنا الحياة، أو كلما ظننا أن المادة هي غاية الوجود.
الأخلاق في هذا الحديث ليست تلك القيم التي نرددها في المناسبات، ولا العبارات التي نُعلّقها على الجدران لتزين الغرف، بل هي "عطر السلوك" في تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد، في حين نختار اللطف في لحظة غضب، حين نصمت إجلالًا لمشاعر غيرنا بدل أن نجرح، حين نُراعي الغياب، ونحفظ الودّ، حتى وإن لم يطالبنا أحد بذلك، هي أن تكون إنسانًا.. حتى في اللحظات التي لا يُراقبك فيها سوى قلبك.
تأملت واقعنا طويلًا، فاكتشفت بأننا لا نعيش نقصا في المعرفة، بل نقصا في التهذيب. لا نفتقد القوانين التي تضبط الشوارع، بل نفتقد الضمير الذي يسبقها ليضبط النوايا، لقد أصبح الصح في زماننا قابلًا للنقاش، والخطأ غارقا في التبرير، وأصبحت الأخلاق عند البعض، خيارًا ثانويًا، لا أصلًا ثابتًا.
هذا الحديث لم يكن وعظًا جافًا، بل كان إعادة تعريف للحياة نفسها؛ أن تكون أخلاقك هي مشروعك اليومي، أن تُحسن لا لأن أحدًا يراك أو ليصفق لك، بل لأنك ترى نفسك من الداخل، ولا تريد لمرآتك أن تتسخ.
في حقيقة الأمر، قد لا يحتاج الإنسان أن يُعيد اكتشاف العالم بقدر ما يحتاج أن يُعيد اكتشاف نفسه. الأخلاق ليست مجرد ردة فعل جميلة، بل هي الثبات حين يميل كل شيء من حولك.
تذكروا دائمًا: إن العبادة التي لا تُهذبك، هي عبادة لم تصل إلى قلبك بعد. فما نفع أن نصل إلى السماء بصلواتنا، وأقدامنا تجرح السائرين على الأرض؟
الحكاية كلها تتلخص في كلمة واحدة كن متممًا للجمال، أو لا تكن.
