البرهان في حضرة مسقط العامرة

 

 

 

د. محمود المدني

الزيارة التي قام بها رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أوَّل ركن عبد الفتاح البرهان، إلى سلطنة عُمان، والتي حُظي خلالها باستقبالٍ رسمي من حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في قصر البركة العامر، لا يُمكن قراءتها في إطارها البروتوكولي الضيِّق، بقدر ما ينبغي فهمها كجزءٍ من مشهدٍ سياسي أوسع، تتقاطع فيه المسارات الإقليمية والدولية حول الأزمة السودانية.

فالكلمات الهادئة والعميقة التي عبّر بها جلالة السُّلطان، متمنيًا التوفيق للقيادة السودانية في الاضطلاع بمسؤولياتها الوطنية وتحقيق تطلعات الشعب السوداني نحو الأمن والاستقرار والازدهار، تعكس في جوهرها فلسفة السياسة العُمانية القائمة على الحياد الإيجابي، ذلك الحياد الذي لا يعني الانكفاء، بل يُتيح لعب أدوار دقيقة في لحظات التعقيد، ويفتح مسارات للحوار حين تضيق الخيارات.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية حين توضع في سياق الحراك الدبلوماسي المُتسارِع الذي يقوده البرهان وأركان حربه، وتدعمه السفارة السودانية في مسقط مُمثلة في سعادة السفير عصام متولي، والذي شمل أيضًا دولًا محورية مثل تركيا وقطر ومصر والمملكة العربية السعودية، في محاولة لإعادة رسم شبكة العلاقات الإقليمية، وبناء توازنات جديدة تمنح السودان هامشًا أوسع للحركة السياسية، بعيدًا عن الارتهان لمحور واحد.

وفي هذا الإطار، تبرُز المُبادرات التي قادتها المملكة العربية السعودية، بدفع من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي سعى إلى تحريك الملف السوداني على أعلى المستويات الدولية، بما في ذلك التواصل مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب لحثّه على الانخراط بكل ثقله السياسي والدبلوماسي في جهود إيقاف الحرب، بعد أن ظل الملف السوداني لفترة خارج دائرة الاهتمام الدولي الفاعل.

HGbddwWbMAEHoAD.jpg
 

ومن هنا، تبدو مسقط محطة ذات دلالة خاصة، ليس فقط لكونها امتدادًا لهذا الحراك، بل لأنها تمثل نموذجًا مختلفًا في التعاطي مع الأزمات.. نموذج يقوم على بناء الثقة، وتهيئة الأرضية للحوار، والعمل بصمت لإيجاد مخارج سياسية، مستندًا إلى شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.

إنّ ما يجري في السودان لم يعد أزمة داخلية معزولة؛ بل بات اختبارًا لقدرة الإقليم على إنتاج حلول ذاتية، بعيدًا عن تعقيدات التدخلات المتقاطعة.

ولذلك، فإنَّ تنويع الشراكات، والانفتاح على أدوار مُتعددة، قد يشكل مدخلًا ضروريًا لكسر الجمود السياسي، وفتح نوافذ جديدة نحو تسوية مُمكنة.

وفي المحصلة، تظل قيمة هذه الزيارات مرهونة بقدرتها على التحوُّل من إشارات سياسية إلى نتائج عملية؛ فالسودان اليوم لا يحتاج إلى رمزية دبلوماسية بقدر ما يحتاج إلى اختراق حقيقي في مسار الأزمة، يُفضي إلى وقف الحرب، وتخفيف مُعاناة المُواطن، واستعادة توازن الدولة.

وبين تعدد المُبادرات وتباين الأدوار، يبقى الأمل قائمًا في أن تتكامل هذه الجهود، لتُعيد للسودانيين ما فقدوه من أمن واستقرارٍ، وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة للحياة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z