مسقط لا تُغيِّر بوصلتها

 

 

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

 

 

قبل قرنين تقريبًا، كانت مسقط أول ميناء عربي يفتح أبوابه للتجارة الأمريكية في المنطقة بعد استقلال الولايات المتحدة. واليوم، يبدو أن الموقع الاستراتيجي نفسه الذي جعل من عُمان بوابة واشنطن إلى الخليج، أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين.

أقول ذلك بعد تصريحات مُستفِزَّة أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 27 مايو 2026، حين قال إن على عُمان أن "تتصرف مثل الجميع" في ملف مضيق هرمز، وإلا "سيتعين علينا نسفهم". ورغم أن التصريح قُوبِل بتفسيرات متعددة، إلّا أنه عكس بوضوح حجم القلق الأمريكي من أي تفاهمات محتملة بين مسقط وطهران بشأن إدارة المضيق أو ترتيبات الملاحة فيه. والمفارقة هنا واضحة: الممر البحري الذي بُنيت عليه واحدة من أقدم العلاقات العربية-الأمريكية، أصبح اليوم ساحة اختبار حقيقية لطبيعة هذه العلاقة وحدودها.

تاريخيًا، تُعد العلاقة العُمانية الأمريكية من أقدم العلاقات السياسية في المنطقة، تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا حوالي عام 1790، حين بدأت السفن والتجارة الأمريكية تصل إلى الموانئ العُمانية بعد استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا. كانت أمريكا آنذاك تبحث عن منافذ تجارية جديدة خارج الهيمنة البريطانية، بينما كانت عُمان قوة بحرية مؤثرة تتحكم بجزء مهم من طرق التجارة في المحيط الهندي والخليج وشرق أفريقيا. هذا التواصل المبكر مهّد لاحقًا لتوقيع معاهدة الصداقة والتجارة عام 1833، كأول معاهدة رسمية بين الولايات المتحدة ودولة عربية في المنطقة.

وفي عام 1840، أرسلت السلطنة السفينة "سُلطانة" إلى ميناء نيويورك، في أول بعثة دبلوماسية عربية تصل إلى الولايات المتحدة، وهو حدث أسّس لمرحلة مبكرة من الانفتاح السياسي والتجاري بين البلدين. ومع التحوُّلات الإقليمية في القرن العشرين، تطورت العلاقة بصورة أكبر. ففي عام 1980 وُقّعت اتفاقية التسهيلات العسكرية التي سمحت للقوات الأمريكية باستخدام بعض الموانئ والقواعد العُمانية، ضمن ترتيبات مرتبطة بأمن الملاحة في الخليج والمحيط الهندي. وفي عام 1996، جدَّدت السلطنة الاتفاقية العسكرية مع واشنطن، ثم دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين حيّز التنفيذ عام 2009؛ لتصبح عُمان أول دولة خليجية تطبق اتفاقية تجارة حرة كاملة مع الولايات المتحدة.

إلّا أن هذا التقارب لم يدفع عُمان يومًا إلى التخلي عن استقلالية قرارها السياسي، بل حافظت طوال العقود الماضية على سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة؛ فلم تنضم إلى محاور المواجهة الإقليمية، ولم تدخل في تحالفات تستهدف إيران، كما احتفظت بموقفها التقليدي الرافض للتطبيع الرسمي مع إسرائيل، مع تمسكها بسياسة تقوم على الحوار وعدم التصعيد.

وفي المقابل، اعتمدت واشنطن على مسقط كقناةٍ دبلوماسية موثوقة للتواصل غير المباشر مع طهران؛ إذ مارست عُمان دورًا محوريًا في المفاوضات السرية التي مهّدت للاتفاق النووي الإيراني عام 2015، كما ساهمت في ملفات تبادل المحتجزين وإطلاق سراح رهائن واحتواء التوترات الإقليمية. بمعنى آخر، قامت العلاقة بين الطرفين على معادلة واضحة: عُمان توفر الموقع الجغرافي، والحياد السياسي، وقنوات التواصل، بينما استمرت الولايات المتحدة عبر العقود في احترام خصوصية القرار العُماني واستقلاليته.

لكن تصريحات ترامب الأخيرة عكست تحوُّلًا مُهمًا في النظرة الأمريكية إلى الدور العُماني؛ فواشنطن التي استفادت لعقود من سياسة الحياد التي انتهجتها مسقط، تبدو اليوم أقل تقبلًا لها إذا قادت إلى تفاهمات لا تنسجم مع استراتيجيتها تجاه إيران. ومن هنا جاء الضغط المُتزايِد على عُمان في ملف مضيق هرمز، الذي تعتبره الولايات المتحدة ممرًا دوليًا لا ينبغي أن يخضع لأي ترتيبات إقليمية مُنفردة.

لكن هذا التصعيد الأمريكي لا يعني بالضرورة أن مسقط ستعيد صياغة سياستها الخارجية وفق منطق الضغوط اللحظية؛ فعُمان، تاريخيًا، لم تَبْنِ قراراتها على الخطابات العابرة أو التوترات المؤقتة؛ بل على رؤية طويلة المدى ترتبط بحماية سيادتها، والحفاظ على استقرار المنطقة، وتجنب الانخراط في سياسة المحاور. ومنذ عهد السلطان قابوس وحتى اليوم، حافظت مسقط على نهج ثابت يقوم على التوازن في العلاقات، والانفتاح على جميع الأطراف، والتمسك باستقلال القرار السياسي دون ارتهان لأي قوة إقليمية أو دولية.

ولهذا، من المُستبعد أن تتخلى عُمان عن نهجها الدبلوماسي أو تدخل في سياسة المحاور استجابة لضغط إعلامي أو خطاب سياسي متشدد؛ فالدولة التي نجحت في الحفاظ على علاقتها مع واشنطن وطهران في أصعب الظروف الإقليمية، تُدرك أن قيمتها الاستراتيجية الحقيقية تكمُن في قدرتها على التواصل مع الجميع، لا في الانحياز الكامل لأي طرف.

هُنا يظهر التناقض الأمريكي بوضوح؛ فالولايات المتحدة تحتاج إلى عُمان بوصفها القناة الأكثر موثوقية للتواصل مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تقليص هامش الحركة العُماني عندما لا يتوافق مع أولوياتها الإقليمية. وقد نجحت العلاقة بين البلدين تاريخيًا لأن كلًا منهما تقبل حدود مصالح الآخر؛ فواشنطن أدركت أن عُمان ليست جزءًا من سياسة المحاور التقليدية في الخليج، بينما قبلت مسقط بالدور الأمريكي في حماية أمن الملاحة. لكن أي محاولة لتحويل مفهوم "حرية الملاحة" إلى "التحكم بالملاحة" قد تفتح بابًا لتوتر غير مسبوق بين البلدين.

ورغم حساسية المرحلة الحالية، فإن الحديث عن قطيعة بين مسقط وواشنطن ما يزال مبالغًا فيه؛ فالعلاقة بين البلدين مرَّت خلال العقود الماضية بمحطات أكثر تعقيدًا: من الثورة الإيرانية والحرب العراقية-الإيرانية، إلى غزو الكويت وحروب الخليج المتلاحقة، ومع ذلك حافظ الطرفان على الحد الأدنى من التفاهم والمصالح المشتركة.

لكن التحدي اليوم يبدو مختلفًا، لأنه لا يتعلق فقط بأمن الملاحة أو التوازنات الإقليمية؛ بل بطبيعة الدور العُماني نفسه؛ فمسقط بَنَتْ مكانتها السياسية على قدرتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وعلى أداء دور الوسيط القادر على فتح قنوات الحوار حين تُغلق الأبواب أمام الآخرين. ولهذا، فإن أي محاولة لدفع عُمان نحو الاصطفاف الكامل مع طرف ضد آخر، تعني عمليًا تقويض الدور الذي منحها أهميتها الإقليمية والدولية طوال العقود الماضية.

وفي المقابل، تُدرك واشنطن أن علاقتها بعُمان لم تكن قائمة فقط على التعاون العسكري أو المصالح الأمنية؛ بل أيضًا على الثقة السياسية والقدرة العُمانية على التواصل مع أطراف يصعب على الولايات المتحدة الوصول إليها مباشرة، وفي مقدمتها إيران.

لذلك، يبقى مستقبل العلاقة مرهونًا بقدرة الطرفين على الحفاظ على التوازن الذي حكمها تاريخيًا: شراكة تقوم على المصالح المشتركة واحترام خصوصية القرار العُماني، لا على سياسة الإملاءات أو منطق "إما معنا أو ضدنا"!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z