قراءة في التعامل الصيني مع توترات واشنطن وطهران

 

 

 

محمد المعتصم

 

في خضم التصعيد الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة، والتداعيات التي حدثت للاقتصاد العالمي بفعل القلق الذي تشهده منطقة الخليج العربي والممر الملاحي الأهم في العالم، في هذا المشهد شديد القلق تبدو خريطة التفاعلات الدولية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

وبينما اتجهت بعض القوى إلى التصريحات الحادة أو التحركات المباشرة، اختارت الصين مسارًا مختلفًا، يقوم على التهدئة، وإدارة التوازنات، والابتعاد عن الأضواء. نهج يمكن وصفه بـ“الدبلوماسية الهادئة”، لكنه في الوقت نفسه يعكس حسابات دقيقة تتجاوز مجرد الحياد الظاهري.

الصين، التي باتت أكبر مستورد للطاقة في العالم، تنظر إلى منطقة الخليج العربي باعتبارها شريانًا حيويًا لأمنها الاقتصادي. فاستقرار الإمدادات النفطية ليس خيارًا ثانويًا في حسابات بكين، بل عنصر أساسي في استدامة نموها، من هذا المنطلق، لم يكن مستغربًا أن تتبنى خطابًا يدعو إلى ضبط النفس، ويشدد على ضرورة حل الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية، بعيدًا عن أي تصعيد قد يهدد تدفقات الطاقة أو يربك الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كأحد أهم النقاط الحساسة في الحسابات الصينية. فهذا الممر البحري، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، يمثل بالنسبة لبكين مسألة أمن اقتصادي مباشر. أي تهديد لحركة الملاحة فيه، سواء نتيجة تصعيد عسكري أو توترات سياسية، ينعكس فورًا على كلفة الطاقة وسلاسل الإمداد. لذلك، تحرص الصين على دعم كل الجهود التي تضمن بقاء هذا الشريان مفتوحًا وآمنًا، مع التأكيد المستمر على أهمية حرية الملاحة واستقرار الممرات الدولية.

لكن ما يميز المقاربة الصينية ليس فقط إدراكها لأهمية الخليج، بل قدرتها على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف الأطراف. فهي تحتفظ بعلاقات اقتصادية مع إيران، وفي الوقت ذاته ترتبط بشراكات واسعة مع دول الخليج، إلى جانب شبكة مصالح مع الولايات المتحدة. هذا التداخل يجعل من الانحياز خيارًا معقدًا، ويدفع بكين إلى تبني سياسة تقوم على "تعدد الشراكات" بدل الاصطفاف.

وفي قلب هذه المعادلة، تبرز سلطنة عُمان كشريك مهم في الرؤية الصينية للمنطقة. فموقعها الاستراتيجي عند مدخل مضيق هرمز، ودورها المعروف في تبني سياسات متوازنة وهادئة، يجعلان منها نقطة ارتكاز طبيعية لأي جهود تستهدف الحفاظ على الاستقرار. وقد شهدت السنوات الأخيرة تنامي التعاون الاقتصادي بين مسقط وبكين، خاصة في مجالات الموانئ والبنية التحتية والطاقة، في إطار مبادرة الحزام والطريق.

ولا تقتصر أهمية عُمان بالنسبة للصين على موقعها الجغرافي فحسب، بل تمتد إلى نهجها السياسي القائم على الحوار وعدم التصعيد. هذا النهج يتقاطع بشكل كبير مع الرؤية الصينية التي تفضل الحلول الدبلوماسية وتجنب المواجهات المباشرة. ومن ثم، يمكن النظر إلى الشراكة بين الجانبين باعتبارها نموذجًا لتلاقي المصالح بين قوة اقتصادية كبرى ودولة إقليمية تتبنى سياسة التوازن.

وفيما يتعلق بالحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران، حرصت بكين على إبقاء خطابها في إطار الدعوة إلى التهدئة، مع التأكيد على أن التصعيد لا يخدم استقرار المنطقة ولا الاقتصاد العالمي. لم تسعَ الصين إلى لعب دور الوسيط المباشر بالمعنى التقليدي، لكنها في المقابل دعمت الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى احتواء التوتر، مفضلة العمل عبر القنوات الدبلوماسية الهادئة.

هذا الأسلوب وإن بدا أقل حضورًا في المشهد الإعلامي، يمنح الصين ميزة الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف، ويجنبها الانخراط في صراعات قد تؤثر على مصالحها بعيدة المدى، كما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن النفوذ في عالم اليوم لا يُقاس فقط بمدى الحضور العسكري، بل أيضًا بقدرة الدول على إدارة الأزمات وتقديم بدائل تقوم على الاستقرار والتنمية.

طريقة تعامل بكين مع توترات إيران وأمريكا تكشف عن نموذج مختلف في إدارة الأزمات، نموذج يقوم على الهدوء، والتوازن، وتغليب المصالح الاقتصادية المشتركة. وفي منطقة كمنطقة الخليج، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، يبدو أن هذا النهج يجد له مساحة من القبول، خاصة عندما يتقاطع مع أدوار دول مثل سلطنة عُمان التي أثبتت مرارًا أن الدبلوماسية الهادئة قد تكون أكثر تأثيرًا من ضجيج الصراعات.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح هذا "الهدوء المحسوب" في أن يتحول إلى عنصر استقرار دائم في المنطقة، أم أن تعقيدات الصراعات ستفرض على الجميع، بما فيهم الصين، خيارات أكثر صعوبة في المستقبل؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z