د. عبدالله بن سليمان المفرجي
بعد أن استعرضنا بعض سبل الإصلاح التربوي والتقني، يبقى سؤال أخير لا تقوم أي إصلاحات بدونه ولا تنهض أي تحول دونه: كيف نضمن للمعلمين والمعلمات في مدارسنا، وللأكاديميين في جامعاتنا، حياة كريمة تحفزهم على العطاء والابتكار والبذل المتواصل والإبداع المستمر، وتقديرًا يليق بمكانة صانع الأجيال؟ مُربّي النشء باني العقول، وساقي القيم، الذين يزرعون في الأرض الصغيرة بذورًا، لتورق رجالًا يحملون الغد؛ فهُم الركيزة الأساسية في بناء الأجيال، والمسؤولون عن تنمية القيم والأخلاق والمعارف والمهارات لدى المتعلمين. لذلك لا بُد من العناية بقضية الحوافز والأجور للمعلمين، تلك القضية التي طالما أهملت في خطط التطوير والتنمية، أو عولجت بوصفات إسعافية سريعة لا تشفي الغليل ولا تضمد الجراج بعد نزيفه العميق.
فما قيمة أي إصلاح تربوي إذا ظل المعلم يعاني من ضنك العيش، وتدني الدخل والشعور بالفاقة والذي يعتبر قيدٌ خفي قد يُكبّل الروح والعقل، وحبلٌ خفي يربط القلب بالصبْر، فلا ينكشف سر النور إلا لمن عاش ظلالها وتعلم من صمتها المطبق دروس العزيمة والإباء. فالحرمان يجعل المعلم يتطلع إلى مهن أخرى توفر له ما لا توفره له مهنته الشريفة الجليلة؟ وما جدوى الحديث عن استقطاب المتميزين إلى كليات التربية إذا كانت هذه الكليات تخرجهم إلى سوق عمل لا يقدرهم ولا يكافئهم؟
لقد آن الأوان أن نعترف بحقيقة صارخة ومناشدة جريئة: لا يمكن أن ينتج تعليم جيد في بلد لا يقدر معلميه تقديرًا حقيقيًا فعليًا، ولا يمكن أن نطلب من المعلم أن يؤدي رسالته النبيلة على أكمل وجه وهو يعيش في ظروف مادية صعبة تلهيه عن رسالته الأصلية، وتدفعه إلى البحث عن عمل إضافي يستهلك وقته وجهدَه. إن المعلم الذي لا يجد ما يكفيه من دخل يومي، يضطره للعمل في وظيفتين أو ثلاث أو حتى أربع تملأ حياته ووقته ليل نهار، فلا يمكن أن يكون معلمًا مبدعًا مبتكرا، ولا أن يبذل الجهد المطلوب في إعداد دروسه ومتابعة طلابه بكل تفانٍ واقتدار. وبذلك تضيع الأجيال وتبدد الطاقات وستنزف الجهود. وقد أظهرت بعض الدراسات الاقتصادية أنَّ هناك علاقة طردية بين تحسين أوضاع المعلمين المادية وجودة التعليم، وأن الدول التي استثمرت في معلميها استثمارًا حقيقيًا وفعلياً كانت هي الدول التي تصدرت مؤشرات التعليم العالمية في معايير الجودة التعليمية (OECD, 2024). ففنلندا التي تعتبر نموذجًا عالميًا في التعليم، تضع أجور المعلمين في مستويات تنافسية مع المهن العليا الأخرى، وتجعل من مهنة التعليم مهنة مرموقة اجتماعيًا وماديًا مجزية، مما يجذب إليها أفضل الكفاءات من خريجي الجامعات.
إنَّ معالجة قضية أجور المعلمين لا بد أن تكون على مستويين وفق خطط استراتيجيات مدروسة: مستوى المعلمين في مدارس التعليم العام، ومستوى الأكاديميين في مؤسسات التعليم العالي، وخاصة في كليات التربية التي تعاني من عزوف بعض المتميزين عنها. فبالنسبة لمعلمي التعليم العام، لا بد من إعادة هيكلة سلم الرواتب بشكل يجعل دخولهم تنافسية مع المهن الأخرى التي تتطلب مؤهلات مماثلة، وأن ترتبط الزيادات بالتطوير المهني المستمر وتحسين الأداء، لا بالأقدمية فقط. ويمكن الاستفادة من تجارب دول رائدة في الميدان مثل سنغافورة التي طبقت نظام "المعلم المتخصص"؛ حيث يمكن للمعلم أن يتدرج في مساره المهني الوظيفي عبر مسارات متعددة ومتنوعة: مسار أكاديمي يركز على التدريس والتطوير المهني، ومسار قيادي يتجه نحو الإدارة المدرسية، ومسار بحثي يركز على الابتكار والبحث التربوي. وفي كل مسار، يحصل المعلم على حوافز مادية تتناسب مع تطوره المهني وإسهاماته.
أما بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية، فإنَّ الوضع لا يقل خطورة، وسوءُ التدبير يزيده تفاقمًا. وعمقا في التدني، فالأكاديميون في بعض هذه الكليات قد يعانون من تدنٍ في رواتبهم مقارنة بنظرائهم في الكليات الأخرى، أو الوظائف الآخر التي قد لا تتطلب جهد وبذل متواصلا، فكليات التربية في بعض الدول العربية هي الأدنى في سلم الرواتب بين كليات الجامعة. وهذا التفاوت في المعاملة يرسل رسالة خفية سلبية إلى المجتمع والطلاب على حد سواء: أن كلية التربية هي كلية من الدرجة الثانية، في حافة الطريق وهامش المسار الوظيفي، وأن العمل فيها أقل قيمة من العمل في كليات الطب والهندسة والاقتصاد. ولتصحيح هذا الخلل، وإعادة النصاب إلى مكانه السليم لا بد من المساواة بين رواتب أعضاء هيئة التدريس في كليات التربية ونظرائهم في الكليات الأخرى، والوظائف الأخرى، بل لا من إضافة حوافز خاصة لهم نظرًا لطبيعة عملهم التي تتطلب خبرة ميدانية إضافية وتواصلًا مستمرًا مع المدارس وعملا دقيقا. كما يمكن إنشاء صندوق لدعم التميز في التعليم والابتكار في الأداء، يقدم منحًا وجوائز سنوية للأساتذة المتميزين في كليات التربية، ويخصص ميزانيات مجزية لبرامج التطوير المهني المستمر مدى الحياة.
لكن الأجور وحدها غير كافية، فهناك حوافز أخرى لا تقل أهمية عن المال، بل قد تفوقه في بعض الأحيان. من هذه الحوافز، إعادة الاعتبار الاجتماعي للمعلم، في واقع الحياة العامة، وإحياء المكانة التي كان يحتلها في المجتمع. وكما أسلفنا، يمكن تحقيق ذلك من خلال مبادرات مثل "المعلم سفيرًا"، وجوائز المعلم المبتكر، وتخصيص مساحات إعلامية لتكريم المعلمين ونماذجهم الملهمة المبتكرة. كما يمكن إنشاء مجالس استشارية تربوية يكون للمعلمين فيها صوت مسموع ومنبر للحديث والابتكار، ومشاركة في صنع القرارات التي تمس مهنتهم وتطوير مساراتها العملية، فلا يكون المعلم مجرد منفذ لقرارات تصدر من فوق، بل شريكًا في رسم السياسات التعليمية. ومن الحوافز المهمة أيضًا، توفير بيئة عمل محفزة، فيها إدارة داعمة، وبنية تحتية مناسبة، وتقنيات حديثة، وفرص للتطور المهني المستمر. فالمعلم الذي يشعر بأن مؤسسته تقدره، وتوفر له ما يحتاجه لأداء رسالته، يكون أكثر إبداعًا وإنتاجًا من المعلم الذي يعمل في بيئة مهملة وإدارة متسلطة بيروقراطية جامدة.
ومع ذلك، فإن تحسين الأوضاع المادية يجب أن يقترن برفع مستوى المساءلة والمحاسبة لديهم. فالمعلم الذي يحصل على راتب مجزٍ يجب أن يكون مسؤولًا عن أدائه، وأن يخضع لتقييم دوري مستمر وموضوعي ومنهجي، وأن يكون تجديد رخصته المهنية مشروطًا باستمرار تطوره وتحسين أدائه وتطوير معارفه وتحسين أدائه. وهذا يستدعي بناء نظام تقييم شامل يجمع بين التقويم الذاتي، وتقويم المشرفين، وتقويم الزملاء، وتقيم الإدارة المدرسية واستطلاعات رأي الطلاب وأولياء الأمور، وتحليل نواتج التعلم. فالمساءلة المهنية هي الوجه الآخر للتقدير المهني، ولا يمكن أن يقوم أحدهما دون الآخر.
وفي ضوء ذلك، يمكن اقتراح نموذج متكامل للحوافز في التعليم، يقوم على عدة ركائز: راتب أساسي مجزٍ للمعلمين والأكاديميين، يكون في مستوى تنافسي مع المهن الأخرى، ويُعاد النظر فيه بشكل دوري لمواكبة التغيرات الاقتصادية. مكافآت وحوافز إضافية ترتبط بالأداء والإبداع والتطور المهني المستمر، وتُمنح بناءً على معايير موضوعية وشفافة. حوافز معنوية واجتماعية، مثل الأوسمة والجوائز، والمشاركة في صنع القرار، والتمثيل المشرف للمهنة في المحافل المحلية والدولية. بيئة عمل محفزة، توفر للمعلم والأكاديمي الأدوات والموارد والتدريب والدعم الإداري الذي يحتاجه لأداء رسالته. مسار مهني واضح ومحد المعالم والاستراتيجيات، يسمح للمعلم بالترقي في درجات مهنية متعددة، والتخصص في مجالات متنوعة، دون أن يضطر إلى ترك الفصل الدراسي إذا أراد التقدم في مساره المهني والتعليمي.
