نِعَمٌ لا نراها

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

أكثر النِّعَم لا نعرف قيمتها حين تكون بين أيدينا، بل حين يغيب شيءٌ منها، أو يتعطل جزءٌ منها، أو تتأخر لحظةً عمّا ألفناه. عندها فقط ندرك أن ما كان يمرّ في يومنا دون أن نشعر، لم يكن أمرًا عاديًا كما ظننّا، بل نعمة كبيرة استقرت حتى ألفناها، فخفت إحساسنا بها. وهذه من طبيعة الإنسان؛ يعتاد الخير سريعًا، ثم ينسى كم كان يتمناه يومًا.

نستيقظ صباحًا، فنفتح الماء فينساب، ونضغط زرًا فتضيء الأنوار، ونخرج إلى طرقٍ مهيأة، ونتواصل بلمسة هاتف، ونجد الغذاء متاحًا، والخدمات قريبة، فيما تمضي الحياة بإيقاعٍ منظم. قد يبدو كل ذلك بسيطًا لكثرة تكراره، لكنه في حقيقته ثمرة عملٍ متواصل، وتخطيطٍ طويل، وجهودٍ لا تتوقف حين ننام. فثمّة إنجازات عظيمة لا تصنع ضجيجًا، بل تتجلى في حياةٍ مستقرة لا تُربك الناس.

ولعل من أكثر النِّعَم التي يعتادها الناس، نعمة الأمن والأمان. أن يخرج الإنسان مطمئنًا على نفسه وأهله، وأن يعود بخير، وأن تُصان ممتلكاته، وأن يعيش في مجتمعٍ تحفظه الأنظمة، وتردع فيه العدالة كل تجاوزٍ على الحقوق؛ فذلك ليس تفصيلًا صغيرًا في حياة الأمم، بل أساسٌ تُبنى عليه بقية النِّعَم. وما أكثر الأماكن التي تملك المال، لكنها تفتقد الطمأنينة.

وفي حياتنا أيضًا نِعَمٌ تبدو صغيرة في ظاهرها، كبيرة في أثرها: موظف يُنجز باحترام، شارع نظيف، مستشفى يعمل، مدرسة تؤدي رسالتها، نظام يحفظ الدور، وسائق يلتزم الطريق. هذه التفاصيل لا تُصنع صدفة، ولا تستمر وحدها، بل تقف خلفها ثقافة مجتمع، وجهود مؤسسات، وأشخاص يؤدون أدوارهم بإخلاص، حتى تبدو الحياة أيسر مما هي عليه فعلًا.

وأخطر ما في الاعتياد أنه لا يسلبنا النعمة، بل يسلبنا الإحساس بها. فنحن لا ننتبه إلى قيمة الماء إلا حين ينقطع، ولا إلى نعمة الصحة إلا حين يطرق المرض الباب، ولا إلى نعمة الوقت إلا حين يضيق، ولا إلى حضور الأحبة إلا حين تفرقهم المسافات، أو يأخذهم الغياب. كأن بعض الأشياء لا تتكلم إلا عندما ترحل.

ولا يعني الامتنان أن نتوقف عن طلب الأفضل، أو أن نغفل ما يحتاج إلى تطوير. فالمجتمعات الواعية تشكر ما تحقق، وتسعى إلى ما هو أكمل. لأن الاعتراف بالخير القائم لا يناقض الطموح، بل يمنحه أساسًا أخلاقيًا وإنسانيًا راسخًا. ومن لا يرى ما لديه، قد لا يعرف كيف يحافظ عليه، ولا كيف يبني عليه ما هو أفضل.

لذلك، نحن بحاجة، بين حينٍ وآخر، إلى أن ننظر إلى حياتنا بعينٍ جديدة؛ لا بعين من اعتاد، بل بعين الممتن. أن نرى ما حولنا كما لو أننا نراه لأول مرة: ماءً يصل إلينا، وضوءًا لا ينقطع، وطنًا آمنًا، وجوهًا نحبها، وأيامًا تمضي بسلام. عندها فقط نكتشف أن كثيرًا مما نبحث عنه، نعيشه بالفعل.

وفي النهاية، ليست كل النِّعَم التي نفقدها تُنتزع من أيدينا؛ فبعضها يضيع يوم نفقد الإحساس بها. أما الامتنان، فهو ما يعيد الأشياء إلى قيمتها... قبل أن يعلّمنا الغياب ذلك بعد فوات الأوان.

الأكثر قراءة

z