◄ ورث من آل طيْ حُبّ العلم وربّته الأسفار بين المُدن وصقل ثقافته تعدّد المهن
◄ عاش صحفيًّا صاحب رسالة سامية غايته التنوير والتنمية ومات مرفوع الرأس
◄ بينه وبين جدّه الأكبر العلّامة سعيد بن عامر 10 أجيال من العلماء الفضلاء
ناصر أبوعون
نصرٌ بن محمد الطائيّ؛ علمٌ عُمانيّ لا تنطقه الألسنة إلا مقرونًا بـ(جريدة الوطن) صوت الموجة الأولى من النهضة العُمانية المباركة، والتي بزغ فجرها مع مجيء السلطان قابوس- طيَّب الله ثراه- إلى سُدّة الحكم واعتلائه عرش السلاطين العُمانيين الذين تتابعوا على حُكم عُمان منذ المؤسس الأول للدولة البوسعيدية.. وما زال اسم نصر الطائيّ يتردد بين أروقة مؤسسات الإعلام والصحف العُمانية وفي قاعات الدرس الأكاديميّ كباعثٍ للصحافة العُمانية التفاعلية مع قضايا الوطن وصوت المواطنين، وما زلت طبعات جريدة الوطن إلى اليوم تُمثِّل الأرشيف الحيّ للذاكرة العُمانيّة.
على خُطى الوالد والعَم
عاش الكاتب والصحفي نصر بن محمد الطائي بدايات نهضة عُمان المباركة مُستنيرًا بتراث 10 أجيال من الطائيين أثرُوا المشهد العلمي في سلطنة عُمان وما زالت آثارهم باقية تتجدد فيما تركوه من مؤلفات ومخطوطات نسخوها لأنفسهم ولغيرهم. ورأى القدوة الحسنة في شخصية والده الشيخ محمد بن صالح بن عامر بن سعيد بن عامر بن خلف الطائيّ (الطيوانيّ)، الذي تنقّل ما بين مسقط ونزوى طلبًا للعلم ثم عاد إلى مسقط قاضيًا في المحكمة الشرعية في عهدي السلطان تيمور بن فيصل، والسلطان سعيد بن تيمور إلى أن وافته المنيّة في 19 مايو 1943م. كما استنار بشخصية عَمِّه الشيخ عيسى بن صالح الطائي قاضي قُضاة مسقط في شخصيته الاستنهاضِيَّة وذائقته الشعرية، وكتاباته الأدبية، ولم يألُ جهدًا في الاستزادة من العلوم وإتقان الإنجليزية، والاشتغال كمعلم بالمدرسة السعيدية في مقتبل عمره العمليّ.
محطات في حياة نصر الطائي
في عمر 16 سنة، عَمِلَ نصر الطائي مُعلمًا لمادة التاريخ بالمدرسة السعيدية (1947- 1950م) براتب شهري قدره 50 روبية، ثم انتقل للعمل على الآلة الكاتبة باللغتين العربية والإنجليزية في البنك البريطاني بمسقط لمدة خمسة أشهر في 1949م براتب قدره 150 روبية، ثم استقال بعد وفاة خطيبته ورحل على سطح باخرة بصحبة شقيقه سعيد وابن عمه الشيخ هاشم بن عيسى الطائي، متوجهين إلى الشارقة، والتحق هناك معلمًا بالمدرسة القاسمية في نوفمبر 1949م، وكان من أبرز تلاميذه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة حاليًا، ثم لم يلبث بها طويلًا وانتقل إلى البحرين، وهناك وجد في استقباله شقيقه عبد الله الطائي وقنصل مسقط محمد حسين باقر، والتحق بقسم التخليص والشحن الداخلي في شركة (Gray Mackenzie) المتخصصة في التجارة النفطية، ثم قدم استقالته بعد فترة لأسباب اجتماعية وعاد إلى مسقط لينطلق منها إلى المملكة العربية السعودية ليعمل في (شركة يوسف كانو) المتخصصة في الملاحة والشحن. وفي الربع الأول من عام 1953م، عاد نصر الطائي إلى عُمان ليعمل مترجمًا في شركة تنمية نفط عُمان لمدة ست سنوات (1953- 1959م) وفي هذه الأثناء تزوج ابنة نائب والي بوشر الشيخ سعيد بن محمد بن خميس الهنائي. وفي عهد السلطان الراحل قابوس- طيّب الله ثراه- أسس الشيخ نصر بن محمد الطائي أنشأ المؤسسة العُمانية للصحافة والنشر، وترأس تحرير جريدة الوطن بتاريخ (28/01/1971م) إلى جانب عمله مديرا للمشتريات بوزارة المعارف حتى تاريخ (15/05/1971م)، ثم استقال ليتفرغ للعمل الإعلامي. ولكنه توفي فجأة على إثر سكتة قلبية أصابته بعد 4 أيام من تقديم استقالته بوزارة المعارف، وهو في منزله بأبوظبي عن عمر لم يتجاوز 37 سنةً. وفي ذلك يقول رفيق دربه الشيخ حمد بن عيسى الطائي في مقالة بعنوان "رسالة مفتوحة إلى البدر الذي أفل" والمنشورة بالعدد الثامن عشر من جريدة الوطن بتاريخ 27 من مايو 1971 ص: 4: "أخي نصر كم سُررنا أن نعود إلى الوطن بعد طول غيبة، وبعد مزار. وكم كانت غبطتنا أن نعود فنشارك في خدمة الوطن ورفع شأنه، بعد أن هُدِمت الحواجز وزالت القيود. ولكن كم هي الأيام قاسية معنا، فكيف لهذا السرور أن يكتمل ولهذا البناء أن يتمّ دونك يا رفيق العمر وزميل الكفاح؟!! ألا ما أتعس الحياة وأشقاها بعد يا أعز عزيز وأحب حبيب!! وإنا لله وإنا إليه راجعون".
الطائي بين النسر والطاغرائي
يقول مؤلف الكتاب: مما يسترعي الانتباه عند تحليل قيم نصر الطائي، إطلاقه لقب "النسر" على نفسه في وثائق كتبها في أوائل عقده الثاني ومنتصفه. والنسر الجارح يرمز في الأدب العربي إلى العلو والشموخ والإقدام. ومن هذا المنطلق أرجح تصور نصر الطائي لنفسه بأنه يقف في تحدٍ مع الواقع بثقة مرتفعة وهِمَّة فارطة العلو حاملًا قيم النضال والعزة والحرية. ولعل أبرز ما نذكر في جانب القيم الإنسانية لديه تجسيده للامية الطاغرائي على اختلاف الأزمان والأمكنة، فكأن القصيدة كُتِبَت لتسامر وتحاكي شخصيته العصامية وتعتد بالقيم الإنسانية الرفيعة وتحتكم إلى العقل والحكمة التي يقول في مطلعها: (أصالة الرأي صانتني عن الخطل // وحلية الفضل زانتني لدى العطل) وهذه القصيدة تصف بإيجاز سيرة نصر الطائي؛ الذي عاش حياة قصيرة كثرت فيها التنقلات والتحديات والمنغصات، وظل يجري فيها خلف غايته وآماله بمحطات متعددة ومتنوعة.
نصر الطائي كاتبًا وطنيًا
تُعد الوطنية من القيم الإنسانية البارزة في شخصية الكاتب الصحفي نصر بن محمد الطائي أول مؤسس ورئيس تحرير عُماني في سلطنة عُمان بعد انطلق عصر النهضة المباركة؛ فالوطن حاضرٌ معه حتى في مراسلاته الشخصية بين أقاربه وأصدقائه، فقد كان يتقصّى ويتفاعل مع ما يُكتب في عن عُمان في الإعلام العربي والغربي. وتتلازم مفردة "الوطن" في فكره مع مفردات مثل (التحرير والتقدم والصلاح والسلف).. وننقل هنا جانبًا مما كتبه عن عُمان/ الوطن والمواطن، يقول: "إني أشعر بأن الفرد العُماني في مسقط بعيد عن واجبات الحياة في مثل هذا العصر، الذي تتمخض فيه القرائح بالنبوغ ويتسع عالم الناس فيه للأفكار مدفوعًا بسرعة الزمن ورقي الشعوب، إلى أفق التزاحم وعلى منبر الحرية|. ومن حب الأهل والأسرة تولّد لديه حب الوطن؛ فهو قد أحب قومه حبا جما، ووقفت الغربة- التي لا مفر منها- حائلًا بينه وبينهم، لمدة سنين غير معلومة، وقد كُتب عليه الترحال حتى وهو في عُمان، يقضي حياته من بلد إلى آخر مستجيبا لصروف الدهر وقسوة الظروف؛ ولذلك اهتم بالمحافظة على المودة من خلال المراسللات، هذه البذرة التي بقيت وأينعت ثمارها اليوم؛ إذ سهلت علينا تقصي حياته والتقرب من شخصيته بعد مرور خمسين عاما من وفاته.
لحظات نصر الطائي الأخيرة
في فجر الأربعاء الموافق 19/05/1971م تهيَّأ للسفر وودّع أبناءه وناموا في منزله بأبوظبي. ثم أدى صلاته، ثم رأى أن يستغل وقته في العمل والكتابة؛ فأخرج حقيبته وأمسك بقلمه واتكأ وبدأ يكتب ريثما تنهي زوجته أم ليث- رحمها الله- صلاتها، وفجأة باغتته سكتة قلبية، فتهاوى على الورق وسقط من يده القلم. هكذا فاضت روحه مع طلوع الفجر وهو غارق في عمله؛ فكان حقا قد سخّر جل وقته وجهده وماله وعاطفته لأجل رسالته ومبادئه الإعلامية حتى آخر لحظة في عمره.
وعن وصول جثمانه إلى مسقط كتب الشيخ حمد بن عيسى الطائي- رحمه الله- "لو رأيتَ كيف تناقل الناس خبر نعيك، وكيف سرى بينهم سريان النار في الهشيم، وكيف ارتفع الصراخ والعويل بين نساء الحيّ ورجال المحلة، لعرفت إلى أي مدى كانت رعايتك لهم محل تقدير، ولأدركت المعنى العميق لقول الشاعر: (لا يذهب العرف بين الله والناس).
