البنك الإفريقي العُماني

 

 

 

خلفان الطوقي

 

سلطنة عُمان مع شركاء استثماريين آخرين أسسوا بنكًا استثماريًا جديدًا بمُسمى "البنك الإفريقي العُماني"، وحسب التصريحات الرسمية، فإنَّ البنك يهدف إلى تحقيق مكاسب عديدة تتوافق مع رؤية "عُمان 2040".

ورغم الصورة السائدة عن الاستثمار في القارة الإفريقية لدى البعض، والحكم المُسبق بالفشل مع البعض الآخر، فإنني أُجزم أن جهاز الاستثمار العُماني- الذي يقود هذه المساعي- على دراية تامة بما يدور في عقلية كثير من أفراد المجتمع، وهم على وعيٍ كافٍ بأنَّ الفرد- وكما يقال- "عدو ما يجهل"، فإفريقيا اليوم ليست إفريقيا الأمس، ولن تكون مثل إفريقيا المستقبل الواعدة المزدهرة.

وعليه، لنترك التحديات والمخاطر للمتخصصين في جهاز الاستثمار العُماني وباقي الأجهزة الحكومية المعنية، أما هذه المقالة، فسوف تحاول الإجابة عن سؤال لماذا سلطنة عُمان تتجه إلى إفريقيا؟ ولماذا تأسيس هذا الكيان الاستثماري الجديد، ولذلك أطرح من وجهة نظري الأهداف والأسباب كالتالي:

- توزيع المخاطر: معلوم أن سلطنة عُمان من خلال جهاز الاستثمار العُماني لديها استثمارات في عشرات الدول، وكثير من هذه الاستثمارات في الولايات المتحدة وأوروبا وقارة آسيا، ومن المعروف أنَّ هذه الدول والقارات وصلت لمرحلة التشبُّع والتُخمة، ومن المناسب التوجه إلى سوق ناشئة مثل السوق الأفريقية التي تجاوز عدد سكانها مليار ونصف المليار من السكان معظمهم في أعمار الشباب.

- منصة استثمارية حاضنة: هذا الاستثمار بدأ في جمهورية أنجولا، كبذرة للمشاريع الاستثمارية في أنجولا، لكنه يسعى على الأمد الطويل أن يكون هذا البنك حاضنًا للاستثمارات مع باقي الدول الإفريقية الأخرى، ومع جميع الشركاء الاستثماريين الآخرين؛ سواءً في أنجولا أو في الدول الإفريقية أو غيرها من دول العالم التي ترغب في الانضمام إلى هذه المنصة الاستثمارية الرصينة والمحكمة.

- خبرات تراكمية: هذا الاستثمار لا يتجاوز مبلغ 8 ملايين ريال عُماني، مما يعطي دلالة التمعُّن والتدرُّج والتحفُّظ؛ فهذا المبلغ ليس بالمبلغ المالي الضخم في عالم الاستثمار العالمي، لكنه يبني قاعدة للمستقبل، بالرغم من أن هذا الاستثمار هو امتداد لاستثمارات ناجحة لجهاز الاستثمار العُماني ولصناديق استثمارية رابحة استطاعت من خلالها تكوين كفاءات عُمانية مميزة، وشركاء استثماريين موثوق بهم، فهذه الخبرات التراكمية تؤهل الجهاز لنجاح هذا الاستثمار الجريء.

- التوسع: هذا الاستثمار- وإن كان بمبلغ بسيط- لكنه يسعى لوضع موطئ قدم طويل المدى في هذه القارة الغنية بثرواتها، والجميع يتجه إلى هناك، ولا يوجد ما يمنعنا أن نكون جزءا من هذا الحراك العالمي، بل الأولوية لسلطنة عُمان خاصة وأن التاريخ يشهد بتواجدنا التجاري في شرق إفريقيا، وما زال، فهذه ميزة لعودتنا التلقائية، لنا الريادة والأحقية في ذلك بعد أخذ كل المحاذير في الحسبان.

- تنوع الأدوار: هذا البنك سوف يؤدي أدوارًا مختلفة على المدى البعيد؛ فعلى المدى القصير ربما سوف ينفذ مشاريع استثمارية بشكل مباشر، لكنه على المدى المتوسط والبعيد سوف يعمل كأنه مؤسسة مصرفية متكاملة من حيث التمويل وتسهيل التدفقات المالية، وتكوين فرص استثمارية، وتعزيز التعاون الدولي مع دول إفريقية أخرى غير أنجولا، أو مؤسسات استثمارية أو صناديق عالمية عابرة للحدود، خاصةً وأن التركيز التجاري سوف يكون في المشاريع النوعية ذات المزايا النسبية (Comparative Advantage) في القارة الإفريقية، مثل اللوجستيات أو الطاقة والمعادن والبنية الأساسية وغيرها. أضف إلى كل هذا أن هذا البنك سوف يدعم الشركات العُمانية أو الخليجية للدخول في السوق الأنجولي على وجه الخصوص والسوق الإفريقي بوجه عام.

- المصداقية: هذا البنك الاستثماري سوف يعزز من مكانة سلطنة عُمان في التنفيذ وتأسيس كيانات استثمارية رصينة، ومن المتوقع أن هذه المصداقية والسمعة الدولية لتأسيس شراكات استراتيجية أخرى داخل وخارج عُمان، فمنذ عام التقى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أيده الله- مع فخامة جواو مانويل لورينسو رئيس جمهورية أنجولا، ومنذ ذلك اللقاء إلى الآن، نرى هذه البذرة التي تعتبر قياسية في إنشاء مثل هذه الكيانات الاستثمارية.

إنها خطوة جريئة في وقتها المناسب يقوم بها جهاز الاستثمار العُماني من خلال تأسيس هذا البنك، الآن وإلّا فلا؛ فالجهاز أصبح يملك كافة عناصر النجاح التي تؤهله لأن يكون حاضرًا ومتواجدًا أينما وجدت الفرصة الاستثمارية المناسبة والرابحة، ومن علامات النضوج الجرأة المحسوبة التي تأخذ كافة العوامل في الحسبان، وليس لدي أدنى شك في أن كفاءاتنا الوطنية جاهزة للانطلاق وإثبات مكانة السلطنة الاقتصادية، وتحويل سمعتها السياسية إلى فرصٍ استثمارية رابحة.

الأكثر قراءة

z