بداية بلا نهاية

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

لا تفشل بعض المؤسسات لأنها بلا خطط؛ بل لأنها تملك خططًا لا تصل إلى أحد. تُعلَن الاستراتيجيات بثقة، وتُصاغ الأهداف بعناية، وتُعرض المسارات في قوالب أنيقة، حتى يبدو المستقبل وكأنه أصبح تحت السيطرة. تُكتب الرؤية، وتُرسَم الأولويات، وتُحدَّد المسارات، غير أن وضوحها على الورق لا يعني دائمًا حضورها في الميدان. لكن بعد أشهر، وربما سنوات، يظهر سؤالٌ مُلِحّ: إذا كانت الخطة واضحة إلى هذا الحد… فلماذا لم يتغيّر الواقع؟

فالاستراتيجية لا تُختبَر يوم تدشينها، بل في صباح اليوم التالي. حين يعود الموظف إلى مكتبه، فيجد البريد ممتلئًا، والطلبات العاجلة تتقدّم الصف، والاجتماعات تزاحم الأولويات، والتفاصيل اليومية تستعيد نفوذها القديم. هناك تحديدًا يتبيّن إن كانت الخطة قد نزلت إلى أرض العمل وتحولت إلى ممارسة واضحة، أم بقيت معلّقة في ذاكرة الاجتماع الأول.

وكثيرٌ من الخطط تُبنى في مستوياتٍ عليا، ثم تُرسَل إلى الميدان على هيئة عناوين عامة. يدرك القادة الاتجاه، لكن بعض العاملين لا يرون موقعهم فيه بوضوح، ولا يدركون كيف يسهم دورهم اليومي في تحقيقه. يؤدّون ما عليهم إنجازه اليوم، لكنهم لا يعرفون كيف يرتبط ذلك بالغد. فيتحرك الجميع، لكن ليس دائمًا نحو الوجهة نفسها.

ويزداد التعثّر حين تنفصل الحوافز عن الأهداف. فإذا كوفئ الإنجاز السريع وحده، فمن الطبيعي أن ينتصر العاجل على المهم، وأن تتراجع المبادرات التي تحتاج وقتًا وصبرًا لتصنع أثرًا حقيقيًا. وهنا لا تخسر المؤسسة خطتها بسبب ضعفها، بل بسبب الرسائل التي تبعثها أنظمتها كل يوم، حين تكافئ السرعة أكثر مما تُقدّر الجودة والعمق.

كما تُرهق بعض المؤسسات نفسها بكثرة الحركة. اجتماعات متتابعة، وتقارير متلاحقة، ومتابعة لا تهدأ، وانشغال يبدو من الخارج دليلًا على الحيوية. لكن الحركة ليست دائمًا تقدّمًا، والانشغال ليس إنجازًا بالضرورة. فقد تعمل المؤسسة كثيرًا، وتستنزف طاقتها، دون أن تقترب بما يكفي من هدفها.

ومن الأخطاء الهادئة أيضًا، أن يُقاس النجاح بعدد ما أُنجز من مهام، لا بما تحقق من نتائج. فتُغلق المبادرات في الجداول، وتُستكمل الإجراءات في الأنظمة، وتُستوفى المتطلبات شكليًا، فيما يبقى السؤال الأهم خارج القياس: هل تغيّر شيء فعلًا؟ وهل شعر المستفيد بتحسّن؟ وهل أصبحت المؤسسة أفضل مما كانت؟

وفي المقابل، تنجح الاستراتيجيات حين يفهمها الجميع، ويرى كل موظف موقعه فيها، وتُربط الموارد بأولوياتها، وتُراجع بصدق، وتُعدَّل بشجاعة كلما تطلّب الواقع ذلك. فالخطة الناضجة لا تنظر إلى التنفيذ بوصفه مرحلة لاحقة، بل تعتبره جزءًا أصيلًا من بنائها منذ اللحظة الأولى.

وفي النهاية.. لا يكفي أن تمتلك المؤسسة رؤية جميلة، إذا عجزت عن تحويلها إلى سلوك يومي، وقرار منسجم، وأولويات ثابتة؛ فالاستراتيجيات لا تتعثر غالبًا في غرف التخطيط… بل تتلاشى تدريجيًا في زحام الأيام.

الأكثر قراءة

z